رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

ذهاب بلا عودة.. الفقر يدفع طفلًا إلى مركب الموت في اليونان

مركب يغرق
مركب يغرق

لم يكن خبر غرق مركب الهجرة غير الشرعية في المياه اليونانية مجرد رقم جديد يُضاف إلى قوائم الضحايا، بل فتح جرحًا إنسانيًا عميقًا في قلوب عشرات الأسر المصرية، بعدما أعلنت السفارة المصرية في اليونان غرق المركب الذي كان يقل عشرات الشباب والأطفال، وأسفر عن مصرع وفقدان 27 مصريًا، بينهم طفل يُدعى يوسف محمد شحتة، إلى جانب 5 ضحايا من جنسيات أخرى.

يوسف لم يكن مجرد اسم ضمن القائمة، بل كان أصغر الضحايا، ووجهًا لطفل حمل فوق كتفيه هموم الكبار، وانتهت رحلته في عرض البحر قبل أن تبدأ حياته.

يوسف… طفل في الخامسة عشرة يبحث عن النجاة

يقول محمد شحتة، والد يوسف، بصوت مثقل بالحزن: لم يكن ابنه قد تجاوز الخامسة عشرة من عمره، لكنه كان يشعر أنه مسؤول عن أسرة بأكملها؛ يوسف هو الابن الأكبر بين ثلاثة أشقاء، نشأ في بيت بسيط، وعرف معنى الضيق وقسوة الحاجة مبكرًا.

يحكي الأب أن نجله كان يعمل في مصانع الغزل والنسيج، لكنه فُصل من عمله، لتبدأ رحلة الإحباط واليأس، ويبدأ معها التفكير في الهجرة غير الشرعية بوصفها "الطوق الأخير للنجاة".

رحلة ذهاب بلا عودة

لم يعلم الأب بخبر الغرق فور وقوع الحادث، بل وصله بعد يومين كاملين، عبر مندوب كان مسؤولًا عن متابعة سفر أبناء المحافظة، ليجد نفسه فجأة أمام صدمة لا تُحتمل: ابنه الصغير صار واحدًا من ضحايا البحر.

يقول الأب إن يوسف غادر البلاد مطلع شهر نوفمبر، رفقة 29 شخصًا آخرين، وسط وعود بحياة أفضل وعمل سريع في أوروبا، قبل أن تنقطع أخباره تمامًا.

رفض الأب وإصرار الابن

يوضح محمد شحتة أن فكرة السفر لم تكن محل ترحيب داخل الأسرة، بل قوبلت برفض قاطع منه، خوفًا على حياة ابنه، لكن يوسف  كما يصفه  كان مصممًا، يرى في الرحلة خلاصًا من الفقر وضيق الحال.

ومع إلحاح الابن وشدة الأزمة المالية، وجد الأب نفسه مضطرًا إلى الرضوخ، فاقترض مبالغ كبيرة لتغطية تكاليف الرحلة، على أمل أن تكون بداية جديدة للأسرة، لا نهاية لطفل.

اقترض ليودّع ابنه دون أن يدري

يقول الأب بمرارة: "اقترضت علشان أفتح له باب أمل… ما كنتش أعرف إني بفتح له باب التهلكة".

لم تتوقف المعاناة عند هذا الحد، فبعد سفر يوسف بفترة قصيرة، تلقى الأب اتصالًا هاتفيًا يطالبه بإرسال أموال إضافية عبر أحد التطبيقات المالية، بحجة نقص الطعام والمياه، وأن ابنه موجود في مكان مجهول بمدينة طبرق شرق ليبيا.

كانت تلك المكالمة آخر خيط تواصل بين الأب وابنه.

شبكات الهجرة غير الشرعية… تجارة بالموت

كشف والد يوسف أن الرحلات كانت تُدار بواسطة شخص يُعرف باسم "أبو وعد"، وهو أحد السماسرة الذين يتاجرون بأحلام الشباب، ويبيعون لهم الوهم مقابل المال، دون أي اعتبار لأرواحهم.

وأوضح أن هؤلاء السماسرة يستغلون حاجة الفقراء، خاصة الأطفال والمراهقين، ويوهمونهم بأن البحر قصير، وأن أوروبا قريبة، بينما الحقيقة أن الطريق مفروش بالموت.

الفقر يدفع الأطفال إلى البحر

قصة يوسف تعكس واقعًا مريرًا تعيشه كثير من الأسر، حيث يدفع الفقر والبطالة أطفالًا لم يكتمل وعيهم بعد إلى اتخاذ قرارات مصيرية، في ظل غياب البدائل، وضعف الوعي بمخاطر الهجرة غير الشرعية.

لم يكن يوسف يبحث عن رفاهية، بل عن فرصة عمل، عن كرامة، عن حياة تليق بعمره الصغير، لكن البحر كان أسرع من أحلامه.

أب ينتظر جثمان ابنه

اليوم، يعيش محمد شحتة على أمل وحيد، وهو العثور على جثمان ابنه، ليودّعه كما يليق، بعد أن ابتلعه البحر بلا رحمة.

يقول الأب إن الألم الحقيقي ليس فقط في الفقد، بل في الشعور بالعجز، وفي السؤال الذي يطارده ليلًا ونهارًا:
"هل كنت أقدر أوقفه؟ هل كان ممكن أرجعه؟".

تم نسخ الرابط