د. ياسمين عادل تكتب: الصوفية إبداع الموروث الشعبي وروحانيات الذكر
تصادف عند ظهور الصوفية في صورتها الأولي في القرن الثالث والرابع الهجري إن ما يحملة الفكر الصوفي من حياة روحية تتماشي مع طبيعة الإنسان المصري وتتلائم مع الموروث الذي أثقل الشخصية المصرية وأستمر ذلك حتي مع تطور خريطة الصوفية المصرية أثناء حقبة الثمانينات والتسعينيات من القرن العشرين وهي تعد وتعتبر المرحلة الأهم في تشكيل وبلورة وإنتشار الصوفية بقبول من المجتمع المصري
حيث يعد التصوف المصري أفضل أنواع التصوف حيث يتسم بالإعتدال ولعل ذلك يرجع إلي أنه يستمد ما يرد من أوراده بسند تعود إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن أحد الصحابة
وتتفرع جميع الطرق الصوفية في مصر عن أربعة مدارس كبيرة تعد أكبر تلك المدارس والتي نقل عنها جميع المدارس الأخري المناهج الصوفية وهي الطريقة الشاذلية والتي تنسب إلي مؤسسها أبو الحسن الشاذلي الحسيني إبن عبد الله أما المدرسة الثانية فهي الطريقة الرفاعية التي أسسها الإمام أحمد الرفاعي والطريقة البدوية نسبة إلي مؤسسها السيد أحمد البدوي أما المدرسة الأخيرة هي المدرسة القنائية والتي أنشأها عبد الرحيم القنائي
وأثناء القرن ١٩ الميلادي أصبح للطرق الصوفية " مشيخة عامة" تعبر عن كافة الطرق وتمثلهم وتتحدث بأسمهم بل إن تطور التنظيمات الإدارية للطرق الصوفية إلي أن من له حق تعيين شيخ مشايخ الطرق الصوفية هو رئيس الجمهورية بقرار يصدر عنه
وجاء المجلس الأعلي للطرق الصوفية علي رأس الهيكل التنظيمي وفقاً لما نص عليه القانون رقم ١١٨ لسنة ١٩٧٦ وهو المنظم لتشكيل وإختصاصات المجلس حيث نص علي أن يتكون المجلس من ستة عشر عضواً يتم إنتخاب عشرة منهم كل ثلاث سنوات بينما يتم إختيار الأعضاء الخمسة الباقيين بنظام التعيين بإختيار ممثلاً عن كل من الأزهر الشريف ووزارة الداخلية ووزارة الثقافة ووزارة الأوقاف ووزارة التنمية المحلية علي أن يترأس شيخ مشايخ الطرق الصوفية المعين من قبل رئيس الجمهورية رئاسة المجلس
ولعل ما يناله الطرق الصوفية من دعم مقدم من الدولة المصرية يرجع لأسباب مختلفة أهمها ما تتبناه الطرق الصوفية من نهج أساسة الشفافية ويعتمد علي الوضوح فيما يخص مصادر التمويل وذلك علي عكس ما تسلكه التنظيمات الأخري التي تنسب نفسها للإسلام
كذلك ما تتسم به الطرق الصوفية المصرية من سلمية دائمة والبعد عن كل ما يعد شكل من أشكال العنف وكذلك دعم ومساندة الدولة فمن الملفت أنه لم يخرج من بين صفوفها متطرف أو متشدد أو أرهابي
إن إنتشار ظاهرة الموالد الصوفية ومجالس الذكر ما هي إلا تعبيراً عن الرقي الروحي وإعلاء قيم الحب فطالما كانت العلاقة بين الجمال والتصوف والإبداع والفنون الموروثة بصفه عامة علاقة أصيلة وقديمة نتوارثها عبر الأجيال فهناك علاقة وثيقة بين التصوف والإبداع
وسيبقي التداخل الصوفي بين الإبداع والجمال يعلي القيمة الروحية للموالد التي تقام منذ مئات السنين بمصر وبالتمعن فيما أفرز ذلك التداخل نجد موروث من النصوص الإبداعية شعرا ونثرا " ظاهرة الجمال وباطنة الجلال"
ويعد أحد أهم نصوص الصوفية تلك التي كانت عن جلال الدين الرومي
" عندما يدفعك العالم لكي تجثوا علي ركبتيك فاعلم بإنك في الوضع المناسب للصلاة "
إن التجربة الصوفية تجربة خصبة متعمقة في عروق الفنون المعاصرة ذات إنتشار واسع .
وقد شهد تاريخ مصر السياسي العديد من المشاركات المؤثرة من قبل الطرق الصوفية داعمين فيها الدولة المصرية بداية من المشاركة في ثورة ١٩١٩ التي كانت تنادي بإستقلال مصر ومناهضة الإستعمار مروراً بثورة ١٩٥٢ التي أعادت للمصريين حكم مصر وأعلنت الجمهورية وصولاً لثورة إسترداد مصر من براثن حكم الجماعة المحظورة والجماعات الظلامية ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣ وذلك منذ إندلاع أول شراره لها بإطلاق حملة تمرد وجمع إستمارات من الشعب المصري لإسقاط حكم مكتب الإرشاد
الإ أنه قد تبلور الدور السياسي بإلتحاق عدد كبير من أبناء البيت الصوفي للبرلمان المصري ممثلين عن الشعب وعلي رأسهم الدكتور / عبد الهادي القصبي شيخ مشايخ الطرق الصوفية والذي تقلد منصب رئيس لجنة التضامن الإجتماعي بمجلس النواب المصري عن برلمان ٢٠١٦ ثم جاء تعيينه بقرار صادر عن السيد رئيس الجمهورية عضواً بمجلس الشيوخ ٢٠٢٥ وغيرهم من أبناء البيت الصوفي تحت قبة البرلمان ممن أثبتوا ولائهم لذلك الوطن العزيز بتقديم الدعم بالمواقف المختلفة والتي تمثل منعطفات خطره في تاريخ مصر .
وللتأكيد علي إندماج الحركة الصوفية مع المجتمع المصري وكجزء لا يتجزأ من ذلك الوطن وأن الإختلاف فيما يتبعون من منهج روحاني لا يمثل حاجز في الإلتحام مع قضايا الوطن حرصت الطرق الصوفية علي تقديم الدعم للقيادة السياسية منذ مرحلة التأييد للترشح الرئاسية وخروج أبنائها عن بكرة أبيهم لمساندة المشير عبد الفتاح السيسي وتوجيه أصوات ما يقرب من ٧ ملايين صوفي إلي صناديق الاقتراع مرورا بدعم قرارات الرئيس وذلك إيمانا منهم برؤيتة وإخلاصة لإعلاء شأن ذلك الوطن العزيز
إن الطرق الصوفية بنيت وإستمدت نهجها من الحديث النبوي الشريف الذي تحدث فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن " مقام الإحسان " ومقام الإحسان هو المقام الذي يبني علي التزكية وهي أن تتخلي النفس عن جميع الآفات وأن تتحلي بالصفات الحسنة .