رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

الإنشاد بين الفن والدين.. صقل الوعي وفق المضمون والقالب

محمود التهامى
محمود التهامى

يُعد الإنشاد الديني أحد أبرز الوسائل التي تجمع بين التأثير الروحي والجانب الفني، فهو أداة فعالة لبناء الوعي الديني ونشر القيم الإسلامية والأخلاقية، لكنه يثير جدلاً مستمرًا حول حدوده الشرعية، وطبيعة الكلمات والأفعال المصاحبة له، والموقف الديني من ممارسته.

في ظل تنامي الاهتمام بالبرامج الدينية الجاذبة، يظهر الإنشاد كوسيلة فريدة لجذب الجماهير، وخصوصًا الشباب، في ظل تأخر متابعة البرامج التقليدية ذات الطابع الديني ويبرز النجاح الكبير لبرامج مثل «دولة التلاوة» كمثال حي على تعطش الجمهور للمحتوى الديني الجاذب والمؤثر، ما يضع الإنشاد في قلب النقاش حول دور الإعلام الديني في صقل الوعي.

الإنشاد بين التجاوز والحل والحرمة

الإنشاد وسيلة تعبيرية تحمل معاني دينية وروحية، لكنه قد يصبح محل جدل إذا تجاوزت الكلمات والأفعال حدود الاعتدال. فالتجاوز قد يشمل المغالاة في وصف المشاعر، أو استخدام ألفاظ أو حركات مفرطة تتعارض مع القيم الإسلامية.

ويحدد الفقهاء حكم الإنشاد وفق ثلاثة معايير رئيسية:

المضمون: التأكد من أن المحتوى يعزز القيم الإسلامية ولا يحتوي على كلمات محرمة.

القالب: يشمل أسلوب الأداء الصوتي والحركات، مع مراعاة الابتعاد عن الطرب المفرط.

النص: سواء كان مكتوبًا أو مرتجلًا، يجب أن ينقل رسالة دينية واضحة بعيدًا عن الانحراف أو التحريف.


بهذا المنطق، لا يُعد الإنشاد محرمًا بحد ذاته، بل الحكم يتوقف على طبيعة المضمون والقالب والنص، وهو ما يعكس روح السماحة في الإسلام.

المغالاة في الوصف بالكلمات والأفعال

تعد المغالاة في وصف المشاعر أو الأحداث إحدى أبرز النقاط المثيرة للجدل، فقد يحولها بعض المنشدين من أداة روحية إلى مجرد وسيلة للترفيه الصوتي. ويشمل ذلك استخدام الحركات الجسدية المبالغ فيها أو الانفعالات الزائدة التي تشوش على رسالة الإنشاد الأصيلة.

التقييم العلمي والفني للأداء مهم لضمان التوازن بين الجاذبية الصوتية والرسالة الدينية، بما يحقق الهدف الروحي دون الانحراف عن القيم.

موقف الدين من الإنشاد

الإسلام ينظر للإنشاد بسماحة واضحة، فلا تحريمه مطلقًا، بل يتم الفصل وفق المضمون والقالب والنص.

الإنشاد القيمي والروحاني: مشروع ومحبذ، إذا كان يهدف إلى الدعوة، التسبيح، وغرس القيم الأخلاقية.

الإنشاد الخارج عن القيم: غير جائز، إذا شمل كلمات أو أفعالًا مخالفة للشريعة.


المرونة في الحكم الشرعي تعكس قدرة الإسلام على التمييز بين المشروع وغير المشروع، مما يتيح للمنشدين التعبير الفني ضمن حدود الدين.

الإنشاد والغناء في ضوء سماحة الإسلام

الإنشاد لا يُحرم بشكل قطعي، بل يتم تقييمه وفق المضمون والقالب والنص. 
فالإنشاد الذي يبني الشخصية ويعزز القيم الإسلامية جائز، بينما ما يخالف الأخلاق أو الدين يكون محرمًا.

هذه المرونة تمنح المنشدين حرية الابتكار، مع الالتزام بالمعايير الشرعية، وتضمن أن يبقى الإنشاد وسيلة تعليمية وثقافية وروحية مؤثرة.

تاريخ الإنشاد والمواسم المرتبطة به

الإنشاد له جذور تاريخية تمتد إلى العصور الإسلامية الأولى، وارتبط بالطقوس الدينية والاجتماعية مثل الاحتفال بالمولد النبوي، حفلات ذكرى استشهاد الأئمة، الرمضان، وعيد الفطر والأضحى.

مع مرور الزمن، تطور الإنشاد ليشمل المسابقات القرآنية، الحفلات الخيرية، والإذاعات المرئية والمسموعة، ليصل إلى جمهور أوسع ويصبح جزءًا من الثقافة الشعبية والدينية على حد سواء.

وتزداد أهمية الإنشاد خلال المواسم الدينية، حيث يشارك المنشدون والجمهور بشكل مكثف، ما يعزز الدور التربوي والديني للإنشاد ويزيد من تأثيره في المجتمع.

تم نسخ الرابط