عمرو عامر يكتب: مصر والخليج وسر الوصية الأخيرة

هل خًٌبرت بالعلاقات المصرية الخليجية؟، سننبئك بتأويلها.. قبل «هاجر المصرية» كانت شبه الجزيرة العربية موات وخراب وصحراء جرداء، وكانت إرادة الله تعالي أن يتزوج أبينا إبراهيم من أمنا هاجر لتعوضه الخلف والنسل، وأسكنها بأمر الوحي في واد غير زي زرع لا ماء فيه ولاتمر ولا ثمر.. تحت أقدام وليدها انفجرت مياه زمزم المباركة لتفيض خيرا على كل قبائل الجزيرة العربية كلها.. من هنا رسخًت السيدة هاجر أول أواصر العلاقات بين المصريين وسكان الخليج العربي كله، قبل أن يقسم إلى دول وممالك.. الرسالة تقول إن مصر هي أصل الخير وأم النسل وصاحبة اللسان العربي على يد حفيدها إسماعيل «أبو العرب»..
ما نود اختصاره هنا في هذا المقال أن العلاقات المصرية الخليجية هي نتاج «أمرا ربانيا» و«إرادة نبوية» من أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام، أضفت على علاقة أهل الخليج بمصر قداسة وإجلال وإكبار، يفوق علاقات الدول العادية ويتخطي البروتوكولات ولا تعترف بخصومات.. على هذه القاعدة القديمة استمرت علاقات مصر بدول وممالك الخليج العربي على مر عصورها في حالة ازدهار وتعاون ووحدة إلا ما رحم ربي من فترات نساها التاريخ وبقيت الأخوة واللغة والدين والصهر هي الأساس.
على مدار السنون شهدت العلاقات المصرية الخليجية صعودا وهبوطا لكن منحنى التعاون ووحدة الخط والمصير والشعوب كانت هي الغالب المستمر، ومع قدوم الرئيس السيسي إلى سدة الحكم في ظروف قاسية كادت تذهب معها ريح مصر لولا وقفة الأشقاء في الخليج العربي والدعم الكامل لكان وقع ما لايحمد عقباه، ولتؤكد المواقف أنه في الشدة لا شيء يسعفك سوى أخيك.. من منا ينسى مواقف الملك عبد الله بن عبد العزيز وبيانه الذي أوقف مساعي دولية لمعاقبة مصر بعد إطاحة الشعب بحكم جماعة الإرهاب.. وكيف مد الملك المحب لمصر ولأهلها يد المساعدة بسخاء لمصر دون أن تطلب.
العلاقات المصرية السعودية ازدهرت منذ الأربعينات وماقبلها وكانت علاقات ثنائية قوية ومتميزة بين المملكتين وقتها وتستند إلى تاريخ طويل من التعاون والتنسيق والتقارب في الرؤى والمواقف بشأن العديد من القضايا العربية والإسلامية والدولية، فمصر والسعودية جناحا الأمة فالسعودية بحرمها ومصر بأزهرها قادتا العالم الإسلامي في الفكر والنور وحراسة الدين واللغة والدفاع عن الإسلام.
أيضا مصر هي الدولة العربية الأكبر سكانًا، والسعودية عضوا في مجموعة العشرين الكبري، ولقد ذهل أحد مراكز الأبحاث الدولية حينما أجرى بحثا عن نظرة المصريين إلى السعودية وهل هي إيجابية أم سلبية وكانت النتائج مكتسحة لصالح حب البلد الذي فيه قبر رسول الله صلي الله عليه وسلم ومهد الإسلام..
ومن الرياض إلى أبو ظبي حيث بلد حكيم العرب زايد آل نهيان معشوق المصريين وحبيبهم، والذي في عهده تأسست العلاقات المصرية الإماراتية بشكلها الحالي إذ رسخ شيخ العرب في وجدان الإماراتيين حب مصر والمصريين وله من المواقف الكثيرة التي تدلل على مدى حبه لأهل مصر.. واحتلت مصر مكانة خاصة لدى الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والذي عبر عن هذه المكانة في مقولة له هي بمثابة وصية ومنهج يرسم ملامح الأخوة التي ربطت بين البلدين على الدوام وقال فيها: «نهضة مصر نهضة للعرب كلهم، وأوصيت أبنائي بأن يكونوا دائماً إلى جانب مصر.. وهذه وصيتي، أكررها لهم أمامكم، بأن يكونوا دائماً إلى جانب مصر، فهذا هو الطريق لتحقيق العزة للعرب، إن مصر بالنسبة للعرب هي القلب، وإذا توقف القلب فلن تكتب للعرب الحياة».
وكما كانت مصر هي قلب للإماراتيين فإن أبناء زايد يسكنون في هذا القلب الكبير، وعلى خطى الوالد المحبة لمصر سار محمد بن زايد الابن على نفس الطريق وورث عن أبيه عشق مصر وأهلها وسن سنة حسنة بتثبيت زيارته السنوية إلى مصر وكأنه يقول لأبيه ها أنا أسير على نهجك فقد عرف عن زايد الأب زيارته السنوية لمصر لدرجة أنه في إحدى المرات تأخر عن زيارته المعتادة فخرجت الصحف المصرية تسأل عن سر التأخير وخوفها من وجود خلافات مع الإمارات ليصل الأمر إلى مسامع الشيخ زايد ليستقل طائرته إلى مصر وكأنه يقول لاهلها أنتم في القلب ونعم الضيف ونعم المضيف.
في عصر الرئيس السيسي زاد بريق العلاقات المصرية الخليجية لتأخذ منحني ومعان واستراتيجيات جديدة أكثر عمقا وأكثر تلبيا للمصالح المشتركة، إذ تحولت العلاقات إلى شراكات استراتيجية بين القاهرة والرياض والقاهرة وأبو ظبي والقاهرة والدوحة والقاهرة والكويت، علاقات لاتقوم على المنح والهبات لكن على الاستثمار والتنمية والتصنيع والشراكات والتعاون المشترك في كل المجالات.. تعاون حقيقي وليس «فض بروتوكولات».. وتوسع التعاون ليشمل زوايا أخرى تتعلق بالأمن القومي العربي، وابتعتد لو مرة الاقتصاد عنن الخلافات السياسية ونسي الطرفين بمبدأ المقاطعة أو النفور وقفزت على كل محاولات الفتنة والتفريق بين مصر وأشقائها في الخليج العربي.
ميزة العلاقات المصرية الخليجية اليوم أنها تقوم على المصلحة وليس العاطفة تقوم على المكسب وتبتعد عن الخسارة وعن اقتناع أن مصر هي ظهر العرب وأن العرب هم سند للقاهرة، ونجح الرئيس السيسي في تفويت الفرص لتعكير صفو العلاقات المشتركة من خلال سياسة رفيعة المستوى والمصارحة أولا بأول حتي صارت العلاقات المصرية الخليجية الآن مضرب المثل في التعاون الاقتصادي والاستثماري والتجاري والسياسي في وقت لم تشهده طيلة تاريخها.