رائد الديب يكتب: غزة تحتاج إلى "إعمار" ينهي مأساة الخيام والموت ببرودة الشتاء
لم تنته حكاية الوجع في غزة بانحسار القصف، ولم يجد الناجون من جحيم الحرب متسعا لالتقاط أنفاسهم، فها هو الشتاء يعود من جديد، حاملا معه فصلا آخر من فصول المعاناة لسكان القطاع.. شتاء جديد يصب أمطاره فوق أجساد أنهكها الجوع والمرض، وتلقي برودة لياليه بثقلها على أطفال لم تعد أجسادهم الصغيرة تحتمل مزيدا من الألم.
هناك في غزة، حيث لا جدران تحمي، ولا أسقف تقي، ولا أبواب تغلق في وجه الرياح، فقط خيمة بالية، قطعة قماش مهترئة لا تقي طفلا من الارتجاف.. ففي غزة، لا يأتي الشتاء كما يأتي إلى بقية مدن العالم، ولا تستقبله العائلات بملابس جديدة ومدافئ وأمسيات دافئة، بل تستقبله بخوف يتسلل إلى القلوب مع أول غيمة، وترقب ثقيل لكل قطرة مطر.
مئات آلاف من النازحين يعيشون في خيام ومراكز إيواء مؤقتة، الأمطار بالنسبة لهم ليست مجرد تغير في الطقس، بل احتمالات للموت بردا.. ليال طويلة من العجز، ونازحين لا يملكون سوى الصبر الذي لا ينتهي.. فمع كل منخفض جوي، تتحول المخيمات المكتظة في خانيونس ودير البلح ومواصي رفح إلى مساحات من المعاناة المفتوحة؛ مياه تتسلل من أسفل الخيام، وأسقف قماشية لا تصمد أمام الأمطار والرياح، وممرات غارقة في الوحل، وما يزيد الطين بلة اختلاط مياه الأمطار بمخلفات الصرف الصحي والنفايات في بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات الحماية والنظافة، لتجد الأسر النازحة أنفسها أمام خيام غارقة، وأجساد لم تعد تحتمل المزيد.
ما تحتاجه غزة اليوم، ليس بيانات تعاطف جديدة، ولا تحذيرات إضافية من شتاء كارثي، بل تحرك إنساني عاجل كما طالبت مصر وتطالب دائما، تحرك يترجم الكلمات إلى حماية حقيقية؛ بإدخال منازل مؤقتة عازلة، ومؤن للشتاء، وتوفير وقود ووسائل تدفئة آمنة، وإصلاح لشبكات الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى العائلات الأكثر احتياجا دون تأخير أو قيود تعطل إنقاذها.. غزة تحتاج إلى تنفيذ فوري لإعادة الإعمار التي طالبت ومازالت تطالب بها مصر.. فالأب الذي يقف عاجزا أمام خيمته الغارقة لا يريد وعودا عن إعادة الإعمار بقدر ما يريد مأوى آمنا يحفظ كرامة أسرته.. ففي غزة، لم يعد الشتاء فصلا من فصول السنة، بل صار امتحانا جديدا للإنسانية.