47 % للقمح و12 % للزيوت.. أرقام تكشف فجوة الاكتفاء الذاتي وتضع سياسة الزراعة أمام الشيوخ
تتجه مناقشات مجلس الشيوخ، خلال جلستيه المقررتين يومي الإثنين والثلاثاء، إلى ملف الأمن الغذائي ومستقبل الإنتاج الزراعي، من خلال بحث سياسة وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي بشأن زيادة معدلات الاكتفاء الذاتي من السلع والمحاصيل الاستراتيجية، وذلك استجابة لطلب المناقشة المقدم من النائب محسن البطران، رئيس لجنة الزراعة والري بالمجلس.
وتأتي المناقشة في ظل مجموعة من التحديات التي تواجه المنظومة الزراعية، وفي مقدمتها تراجع نسب الاكتفاء الذاتي من بعض المحاصيل الأساسية، واتساع الفجوة بين حجم الإنتاج المحلي ومعدلات الاستهلاك، رغم ما شهدته السنوات الماضية من استثمارات ومشروعات تستهدف زيادة الإنتاج وتوسيع الرقعة الزراعية.
محسن البطران يضع تحديات الإنتاج الزراعي أمام مجلس الشيوخ
وسلط النائب محسن البطران الضوء على الأهمية الاستراتيجية للقطاع الزراعي في بنية الاقتصاد المصري، مؤكدًا أنه يمثل أحد القطاعات الرئيسية المساهمة في الناتج المحلي الإجمالي، بنسبة لا تقل عن 15% من إجمالي ناتج بلغ 10.5 تريليون جنيه خلال العام المالي 2024/2025.
وأوضح، أن أهمية الزراعة لا تتوقف عند مساهمتها الاقتصادية، وإنما تمتد إلى دورها الاجتماعي في توفير مصادر الدخل وفرص العمل، إذ يستوعب القطاع نحو 55% من سكان مصر، كما يزيد عدد المقيمين في الريف الذين ترتبط دخولهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالأنشطة الزراعية على 110 ملايين نسمة.
وأشار إلى أن القطاع يمتلك أيضًا دورًا بارزًا في دعم التجارة الخارجية، بعدما بلغت قيمة الصادرات الزراعية نحو 10.6 مليار دولار، بما يعادل ما لا يقل عن 20% من إجمالي قيمة الصادرات المصرية، فضلًا عن استيعابه أكثر من 30% من إجمالي العمالة المصرية.
استثمارات تجاوزت 87 مليار جنيه لدعم الإنتاج الزراعي
واستعرض رئيس لجنة الزراعة والري بمجلس الشيوخ التطورات التي شهدها القطاع الزراعي خلال السنوات العشر الماضية، موضحًا أنها أسهمت في تحقيق متوسط نمو سنوي للإنتاج تجاوز 4%، مدعومًا بحجم الاستثمارات التي ضختها الدولة، والتي تخطت 87 مليار جنيه.
وأضاف، أن الاستثمارات الحكومية بلغت نحو 38 مليار جنيه، وجرى توجيهها إلى عدد من المشروعات المرتبطة بالتوسع الأفقي والصوب الزراعية، وتنمية الثروة الحيوانية والداجنة، إلى جانب المزارع السمكية، بما يستهدف تعزيز القدرات الإنتاجية للقطاع وزيادة المعروض من المنتجات الزراعية والغذائية.
كفاءة الري والمساحة المزروعة ضمن مؤشرات التطوير
وتطرق البطران إلى الجهود المبذولة لتحسين كفاءة استخدام الموارد المائية في الزراعة، مشيرًا إلى تنفيذ مشروعات لتبطين الترع والمصارف بهدف تطوير منظومة الري الحقلي، الأمر الذي ساهم في رفع كفاءته من 50% إلى 70% خلال الفترة المشار إليها.
كما لفت إلى أن السياسات الاستثمارية التي تبنتها الدولة انعكست على زيادة المساحة المزروعة لتصل إلى 10.6 مليون فدان، بما يعكس التوسع في جهود دعم الإنتاج الزراعي وتعزيز قدرات الأراضي الزراعية القائمة والمستصلحة.
ورغم هذه المؤشرات، أكد رئيس لجنة الزراعة أن تطور معدلات الإنتاج لم يواكبه انخفاض مماثل في الفجوة الغذائية، موضحًا أن متوسط نمو الإنتاج الزراعي بلغ 4% سنويًا، مقابل 2% لمتوسط نمو الاستهلاك، وهو ما ترتب عليه تراجع نسب الاكتفاء الذاتي من غالبية السلع الاستراتيجية.
القمح والزيوت والفول.. تفاوت واضح في نسب الاكتفاء الذاتي
وكشف النائب محسن البطران عن تفاوت مستويات الاكتفاء الذاتي بين المحاصيل والسلع الغذائية الرئيسية، موضحًا أن نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح بلغت 47%، والذرة 70%، والأرز 95%، واللحوم الحمراء 75%، والفول 33%، بينما لم تتجاوز نسبة الاكتفاء الذاتي من الزيوت 12%.
وأوضح أن هذه المعدلات تعكس حجم التحديات المرتبطة بتوفير احتياجات السوق المحلية من بعض السلع الغذائية، كما تؤثر على الميزان التجاري الزراعي، في ظل استمرار الحاجة إلى الاستيراد من الأسواق الخارجية لتغطية الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك.
وحذر من أن تزايد الاعتماد على الأسواق العالمية، بالتزامن مع انخفاض قيمة الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية، يضاعف الأعباء المرتبطة بتوفير الاحتياجات الغذائية المستوردة، وينعكس على قيمة العجز في الميزان التجاري.
اختلال السياسات السعرية والتمويلية يعرقلان نمو القطاع
وفي سياق رصد المعوقات التي تواجه التنمية الزراعية، حدد رئيس لجنة الزراعة والري بمجلس الشيوخ عددًا من الملفات التي تحتاج إلى تدخل من جانب وزارة الزراعة، وفي مقدمتها عدم استقرار السياسات السعرية وعدم عدالتها، إلى جانب الصعوبات التمويلية التي تواجه الأنشطة الزراعية.
وأشار إلى أن تطبيق منظومة الزراعة التعاقدية لا يزال يواجه تحديات، فضلًا عن المعوقات المرتبطة بالبحث العلمي الزراعي، وصعوبة جذب الاستثمارات الخاصة اللازمة لتطوير الصادرات الزراعية والتوسع في مشروعات التصنيع الغذائي.
كما لفت إلى وجود قصور في توافر قواعد بيانات دقيقة ومحدثة يمكن الاعتماد عليها عند وضع السياسات واتخاذ القرارات، وهو ما يتطلب تطوير منظومة المعلومات الزراعية بما يساعد على تحديد الاحتياجات الفعلية وتوجيه الموارد بصورة أكثر كفاءة.
التعاونيات والتشريعات والبحث عن بورصة زراعية منتظمة
وتضمنت التحديات التي طرحها البطران عدم كفاءة أداء التعاونيات الزراعية، وعدم ملاءمة بعض التشريعات المنظمة للقطاع مع التطورات والمتغيرات التي يشهدها النشاط الزراعي.
وأكد ضرورة دراسة جدوى إنشاء بورصة زراعية منتظمة تتولى المساهمة في تسعير المحاصيل، بما يساعد على تنظيم التعاملات وتحقيق قدر من الوضوح في منظومة الأسعار، إلى جانب معالجة مشكلات عدم توافر مستلزمات الإنتاج وانخفاض كفاءة الجهاز الإرشادي الزراعي.
وشملت الملفات التي طالب بمعالجتها أيضًا العقبات التي تواجه تنمية الثروة الحيوانية والداجنة والسمكية، باعتبارها أنشطة مرتبطة بتعزيز الإنتاج الغذائي المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات.
التوسع الأفقي والرأسي لتعويض الفجوة في المحاصيل الاستراتيجية
وطالب رئيس لجنة الزراعة والري بمجلس الشيوخ بعرض رؤية وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي لزيادة الإنتاج من المحاصيل الاستراتيجية، مع التركيز على سياسات التوسع الأفقي والرأسي، والاستفادة من المزايا النسبية التي تمتلكها مصر في إنتاج المحاصيل القادرة على المنافسة في الأسواق العالمية.
وشدد على أهمية توجيه الإمكانات المتاحة نحو المحاصيل التي تمثل أولوية للاستهلاك المحلي، والعمل على تقليص الفجوة الغذائية، بالتوازي مع تعظيم الاستفادة الاقتصادية من المحاصيل التي تتمتع فيها مصر بفرص تصديرية.
كما دعا إلى زيادة القيمة المضافة للصادرات الزراعية من خلال التوسع في التصنيع الغذائي، بما يتيح الاستفادة من الإنتاج المحلي في صورة منتجات مصنعة ذات قيمة اقتصادية أعلى، ويدعم قدرة الصادرات المصرية على المنافسة في الأسواق الخارجية.
ندرة المياه والتغيرات المناخية تفرض تحديات إضافية
وأشار البطران إلى أن وضع خطة متكاملة لتطوير القطاع الزراعي يتطلب التعامل مع مجموعة من التحديات الهيكلية، وفي مقدمتها ندرة الموارد المائية ومحدودية الأراضي الصالحة للزراعة، فضلًا عن الآثار المترتبة على التغيرات المناخية.
وأكد ضرورة أن تتضمن رؤية الوزارة حلولًا واضحة للمعوقات التي تراكمت على مدار السنوات السابقة، وأثرت على قدرة القطاع الزراعي على تحقيق المستهدفات الإنتاجية، بما يضمن الاستفادة من الاستثمارات القائمة وتوجيه المشروعات الجديدة نحو سد الاحتياجات الفعلية للسوق.
الأمن الغذائي وزيادة الإنتاج على رأس أولويات المناقشة
وأكد رئيس لجنة الزراعة والري بمجلس الشيوخ أن تقييم سياسة الحكومة في مجال الزراعة واستصلاح الأراضي يجب أن يرتكز على تحقيق زيادة ملموسة في نسب الاكتفاء الذاتي من السلع والمحاصيل الاستراتيجية، مع مراعاة التوازن بين توفير احتياجات السوق المحلية والحفاظ على فرص التصدير.
وشدد على أهمية توسيع قاعدة الاستثمارات في الأنشطة الإنتاجية الزراعية، ودعم التصنيع الغذائي، وتعزيز قدرة الدولة على توفير احتياجات المواطنين من السلع الأساسية، بما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني والحد من تداعيات الاعتماد على الأسواق الخارجية، فضلًا عن حماية الأمن الغذائي المصري.