رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

كيف تستثمر وقتك بطريقة صحيحة؟.. وزارة الأوقاف توضح المنهج الإسلامي لإدارة العمر

أرشيفية
أرشيفية

أكدت وزارة الأوقاف أن الوقت يمثل إحدى أعظم النعم الإلهية التي أنعم الله بها على الإنسان، مشددة على أن المحافظة عليه وحسن استثماره مسؤولية شرعية وأمانة يُحاسب عليها الإنسان، باعتباره رأس ماله الحقيقي الذي لا يمكن تعويض ما يفقد منه، وأن الفارق بين النجاح والتأخر لا يرتبط بمقدار الوقت المتاح، وإنما بكيفية استغلاله وتوظيفه فيما ينفع الفرد والمجتمع.

وأوضحت الوزارة، في تقرير نشرته عبر منصتها الرسمية، بعنوان «قيمة الوقت في الإسلام»، للدكتور علي جمعة، أن الإسلام أولى الوقت أهمية كبيرة، وربط بينه وبين حياة الإنسان وعباداته ومسؤولياته الدينية والدنيوية، كما حثت النصوص القرآنية والنبوية على اغتنام العمر وعدم إهدار الساعات في أمور لا تحقق منفعة، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع.

الوقت نعمة إلهية ومسؤولية شرعية

وأشارت وزارة الأوقاف إلى أن الله سبحانه وتعالى امتنّ على الإنسان بنعم كثيرة، وأمره بتسخيرها في طاعته وفيما ينفعه في الدنيا والآخرة، ومن أبرز هذه النعم الوقت، مستشهدة بقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، موضحة أن قسم الله بأجزاء من الزمن في مواضع متعددة من القرآن الكريم يؤكد عظم قيمة الوقت وضرورة صيانته واستثماره في أعمال الخير.

وأضافت الوزارة أن ارتباط غالب العبادات بأوقات محددة يعكس المكانة الكبيرة للزمن في الشريعة الإسلامية، فالصلوات الخمس لها مواقيت معلومة لا تصح قبل دخولها، ويحرم تأخيرها عن أوقاتها دون عذر، وكذلك صيام رمضان وحج البيت والزكاة وغيرها من العبادات التي ترتبط بأزمنة محددة، بما يعزز لدى المسلم قيمة الانضباط والالتزام واحترام الوقت.

واستشهد التقرير بحديث النبي ﷺ: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ»، الذي رواه الإمام البخاري، موضحًا أن كثيرًا من الناس لا يدركون قيمة أوقات الفراغ والصحة إلا بعد فقدانها، كما أشار إلى أن الإنسان يُسأل يوم القيامة عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وهو ما يؤكد أن الوقت ليس مجرد ساعات تمر، وإنما مسؤولية ترتبط بحياة الإنسان وأعماله.

كما لفتت الوزارة إلى وصية النبي ﷺ باغتنام خمس قبل خمس، وهي الشباب قبل الهرم، والصحة قبل السقم، والغنى قبل الفقر، والفراغ قبل الشغل، والحياة قبل الموت، باعتبارها دعوة واضحة إلى استثمار الفرص المتاحة وعدم تأجيل الأعمال النافعة.

استثمار الوقت سر أمجاد الحضارة الإسلامية

وفي سياق الحديث عن أثر المحافظة على الوقت في بناء الحضارات، أكدت وزارة الأوقاف أن الأمة الإسلامية حققت أمجادها العلمية والحضارية عندما التزمت بالمنهج الرباني والهدي النبوي في تقدير الزمن واستثماره، وأدركت أن الإنسان مسؤول عن عمره وما ينجزه خلاله، وهو ما أسهم في وصول الحضارة الإسلامية إلى مكانة متقدمة في مختلف المجالات.

وأوضحت أن علماء المسلمين تركوا تراثًا علميًا ضخمًا في مختلف التخصصات، رغم محدودية الأدوات والإمكانات المتاحة في عصورهم، مشيرة إلى أن الأئمة الأربعة، أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وغيرهم من كبار علماء الإسلام، استطاعوا تحقيق إنتاج علمي واسع بفضل حرصهم الشديد على الوقت وتوظيفه في طلب العلم والتأليف والتعليم.

وضرب التقرير مثالًا بالعالم ابن الجوزي، الذي كان يستثمر حتى الدقائق القصيرة أثناء حديثه مع الزائرين في إعداد أقلامه للكتابة، حتى لا تضيع تلك اللحظات دون فائدة، وهو نموذج يعكس مدى حرص علماء المسلمين على اغتنام كل فرصة متاحة للعلم والعمل والإنتاج.

ونقلت الوزارة عن الحسن البصري قوله: «لقد أدركت أقوامًا كانوا على أوقاتهم أشد حرصًا منكم على أموالكم»، في إشارة إلى أن الأجيال التي أسهمت في بناء الحضارة الإسلامية كانت تدرك أن الوقت لا يقل قيمة عن المال، بل يفوقه أهمية؛ لأنه يمثل أساس العمل والإنتاج والتقدم العلمي والعمراني.

التسويف وتأجيل الأعمال يبددان الأعمار والفرص

وحذرت وزارة الأوقاف من خطورة إضاعة الوقت والتسويف وتأجيل الأعمال، خاصة خلال مرحلة الشباب التي تمثل من أخصب مراحل العمر وأكثرها قدرة على التعلم والإنجاز والعمل، مؤكدة ضرورة الابتعاد عن ثقافة تأجيل عمل اليوم إلى الغد، لأن الإنسان لا يضمن أن يعيش إلى اليوم التالي، وحتى إذا امتد به العمر فقد تواجهه ظروف وشواغل تمنعه من إنجاز ما أجّله.

وأكد التقرير أن التسويف يحرم الإنسان من فرص مهمة قد لا تتكرر، ويؤدي إلى تراكم المسؤوليات وتعطيل الطاقات والإمكانات، مشددًا على أهمية المبادرة إلى العمل واستغلال القدرات المتاحة في تحقيق الأهداف النافعة، بدلًا من إهدار العمر في الانتظار والتأجيل.

وشددت الوزارة على أن استثمار الوقت لا يقتصر على أداء العبادات فقط، وإنما يمتد إلى كل عمل نافع يسهم في إصلاح حياة الإنسان وتطوير مجتمعه، سواء في طلب العلم أو أداء الواجبات المهنية أو رعاية الأسرة أو خدمة الناس.

تنظيم الوقت أساس بناء المجتمع المنتج

وفيما يتعلق بآليات الاستفادة من الوقت، أوضحت وزارة الأوقاف أن المسلم مطالب بتحويل معرفته بقيمة الزمن إلى سلوك عملي يومي، من خلال المحافظة على ساعات عمره والاستفادة منها، بل والحرص عليها بدرجة لا تقل عن حرصه على ماله، مع ضرورة وضع نظام واضح لتقسيم الوقت وتوزيعه بين الواجبات الدينية والأسرية والمهنية والاجتماعية.

وأضافت أن ضبط الوقت وتنظيمه واستثماره فيما يعود بالنفع على الفرد والمجتمع يمثل ضرورة لبناء شخصية متوازنة قادرة على تحمل المسؤولية وتحقيق الإنجاز، مؤكدة أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من قدرة الإنسان على تنظيم حياته وضبط سلوكه، ثم يمتد إلى تربية الأبناء على احترام الوقت والالتزام بالواجبات.

ولفتت الوزارة إلى أن تقدم المجتمعات واحتلالها مكانة بين الأمم القوية العاملة يرتبط بقدرتها على إدارة مواردها البشرية، وحسن توظيف قدرات أبنائها ومواهبهم ومؤهلاتهم وكفاءاتهم، مشيرة إلى أن المجتمع المنضبط والمنتج لا يتحقق إلا عندما يدرك أفراده قيمة الوقت ويتعاملون معه باعتباره مسؤولية يومية لا تحتمل الإهمال.

الوقت رأس مال الإنسان الحقيقي

واختتمت وزارة الأوقاف تقريرها بالتأكيد على أن الوقت هو رأس مال الإنسان الحقيقي، وأن ما يضيع منه لا يعود مرة أخرى، ولذلك جعل الإسلام المحافظة عليه واستثماره عبادة ومسؤولية، وربط به العبادات والعمل والعلم والعمران، موضحة أن الإنسان الذي يدرك قيمة ساعاته ويحسن توظيفها في طاعة الله ونفع الناس يستطيع أن يحقق التوازن بين صلاح دنياه وفلاح آخرته.

وأكد التقرير أن بناء مجتمع قوي وعامل ومنتج يبدأ من احترام الإنسان لوقته، والابتعاد عن التسويف، والحرص على استثمار كل لحظة في عمل مفيد، بما يسهم في بناء الأفراد وصناعة الحضارات وتحقيق نهضة المجتمع.

تم نسخ الرابط