رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

هل لقاح الحصبة يسبب التوحد ويضر الأطفال؟.. إسلام عنان يفجر مفاجآت بشأن الشائعات ومخاوف التطعيم

تطعيم الحصبة
تطعيم الحصبة

مع انطلاق الحملة القومية للتطعيم ضد الحصبة والحصبة الألمانية في مصر، عادت التساؤلات والمخاوف بشأن سلامة اللقاحات وجدوى الجرعات الإضافية، وسط انتشار شائعات عبر مواقع التواصل الاجتماعي تتعلق بمكونات اللقاح وعلاقته بالتوحد، بل وادعاءات بخلطه بلقاحات كورونا.

لكن الأرقام العلمية تضع المرض واللقاح في سياق مختلف؛ فالحصبة تسببت في وفاة نحو 95 ألف شخص حول العالم خلال عام 2024، معظمهم من الأطفال دون الخامسة، بينما أسهم لقاح الحصبة في إنقاذ نحو 59 مليون حياة خلال الفترة من 2000 إلى 2024، وفق بيانات منظمة الصحة العالمية.

وفي محاولة لتوضيح الحقائق والرد على الأسئلة المتداولة، استعرض الدكتور إسلام عنان، استشاري اقتصاديات الصحة والسياسات الصحية، أبرز المعلومات العلمية المتعلقة بالمرضين وآلية عمل اللقاح ومكوناته، وأسباب إطلاق الحملة القومية الجديدة.

 الحصبة ليست مجرد طفح جلدي.. مضاعفات قد تهدد حياة الأطفال

تُصنف الحصبة ضمن أكثر الأمراض الفيروسية المعدية، إذ يستطيع المصاب الواحد نقل العدوى إلى ما بين 12 و18 شخصا غير محصنين، كما يمكن للفيروس البقاء معلقا في الهواء لمدة تصل إلى ساعتين بعد مغادرة المصاب المكان.

وتبدأ أعراض الإصابة عادة بعد 10 إلى 14 يوما من التعرض للفيروس، وتشمل ارتفاع درجة الحرارة والرشح والسعال واحمرار العينين، قبل ظهور الطفح الجلدي المميز للمرض.

غير أن الخطورة الأكبر تكمن في المضاعفات، التي قد تشمل الالتهاب الرئوي، والتهاب الأذن الوسطى، والتهاب الدماغ، والإسهال الشديد والجفاف، وقد تصل في بعض الحالات إلى فقدان السمع أو البصر أو الوفاة.

ومن المضاعفات النادرة أيضا التهاب الدماغ المتصلب تحت الحاد، الذي قد يظهر بعد سنوات من الإصابة، فضلا عن ظاهرة تعرف باسم «فقدان الذاكرة المناعية»، حيث يؤثر الفيروس في جزء من الأجسام المضادة التي اكتسبها الطفل سابقا، ما يجعله أكثر عرضة للإصابة بأمراض أخرى.

 95 ألف وفاة في عام واحد.. لماذا عادت الحصبة للانتشار؟

رغم التراجع الكبير في وفيات الحصبة منذ إدخال اللقاح، فإن المرض لا يزال يمثل تحديا صحيا عالميا.

فقد انخفضت الوفيات السنوية من نحو 780 ألف حالة عام 2000 إلى قرابة 95 ألف حالة عام 2024، بنسبة تراجع تصل إلى 88%، وفقا للأرقام الواردة في البيانات الصحية الدولية.

لكن الإصابات عادت للارتفاع، لتصل إلى نحو 11 مليون إصابة عالميا خلال 2024، ويرتبط ذلك بصورة رئيسية بتراجع معدلات التطعيم وعدم حصول بعض الأطفال على الجرعتين الموصى بهما.

أما الحصبة الألمانية، فعلى الرغم من أن أعراضها غالبا ما تكون خفيفة لدى الأطفال، فإن خطورتها تظهر عندما تنتقل العدوى إلى امرأة حامل، خاصة خلال الأسابيع الأولى من الحمل.

فقد تصل احتمالية إصابة الجنين بمتلازمة الحصبة الألمانية الخلقية إلى 90% عند إصابة الأم في المراحل المبكرة من الحمل، وقد تؤدي إلى الصمم والعمى وعيوب القلب الخلقية والتأخر النمائي، فضلا عن الإجهاض أو وفاة الجنين.

 من 1963 إلى اليوم.. قصة لقاح أنقذ ملايين الأرواح

بدأت قصة لقاح الحصبة عام 1954، عندما نجح العالم الأمريكي جون إندرز وفريقه في عزل الفيروس من طفل مصاب، وبعد سنوات من الأبحاث والتطوير، حصل أول لقاح على الترخيص عام 1963.

وفي عام 1969 ظهر لقاح الحصبة الألمانية، ثم جرى دمجه مع لقاح النكاف ضمن اللقاح الثلاثي عام 1971.

ويعتمد لقاح الحصبة والحصبة الألمانية على استخدام فيروسات حية موهنة، أي جرى إضعاف قدرتها على إحداث المرض من خلال عمليات متكررة داخل مزارع خلوية في ظروف معملية محددة.

وتسمح هذه التقنية للفيروس بالاحتفاظ بخصائص يتعرف عليها الجهاز المناعي، مع انخفاض قدرته على التسبب في المرض، فيتدرب الجسم على مواجهته وينتج الأجسام المضادة وخلايا الذاكرة المناعية.

وبحسب البيانات العلمية التي استعرضها عنان، توفر جرعة واحدة من لقاح الحصبة حماية لنحو 93% من الأشخاص، وترتفع النسبة إلى قرابة 97% بعد الحصول على الجرعتين.

 ماذا تحتوي حقنة اللقاح؟ إجابة عن أكثر الأسئلة إثارة للجدل

تبلغ جرعة اللقاح نصف ملليلتر، وتتكون من الفيروسات الحية الموهّنة، إلى جانب مواد مساعدة تحافظ على استقرار اللقاح وفاعليته.

وتشمل هذه المواد مثبتات مثل الجيلاتين المتحلل والسوربيتول، وأحماضا أمينية، وآثارا ضئيلة من المضاد الحيوي نيومايسين، بالإضافة إلى الماء المعقم المستخدم لإذابة اللقاح قبل إعطائه.

وفي المقابل، أوضح عنان أن اللقاح الثنائي المستخدم ضد الحصبة والحصبة الألمانية لا يحتوي على الألومنيوم أو الزئبق أو الفورمالديهايد أو الكلور، وفقا لتركيبته المشار إليها.

وأكد أن سلامة اللقاحات لا تُقاس بمجرد أسماء المواد الداخلة في تركيبها، وإنما بنوع المادة وتركيزها والجرعة المستخدمة ومدى مطابقتها للمعايير المعتمدة.

 هل يسبب اللقاح التوحد؟.. العلم يحسم أشهر الشائعات

من أبرز المخاوف التي تتكرر مع حملات التطعيم الادعاء بوجود علاقة بين لقاح الحصبة والتوحد.

وتعود جذور هذه الشائعة إلى دراسة نشرت عام 1998 وشملت 12 طفلا، قبل أن تُسحب رسميا بسبب مشكلات جسيمة في منهجيتها وبياناتها.

وفي المقابل، لم تجد دراسات واسعة النطاق، من بينها دراسة دنماركية تابعت أكثر من 650 ألف طفل، أي دليل على وجود علاقة بين التطعيم والإصابة بالتوحد.

كما نفى عنان صحة الادعاءات المتداولة بشأن خلط لقاح الحصبة والحصبة الألمانية بلقاحات كورونا، موضحا أن اللقاحين منتجان مختلفان، ولكل منهما تركيبة وخطوط تصنيع مستقلة.

 لماذا يحصل الطفل على جرعة إضافية رغم حصوله على التطعيمات الروتينية؟

يثير تكرار التطعيم تساؤلات لدى أولياء الأمور، خاصة أن الأطفال يحصلون بالفعل على جرعتين من اللقاح الثلاثي ضمن جدول التطعيمات الروتيني في عمر سنة وسنة ونصف.

ويوضح عنان أن الجرعتين توفران حماية لنحو 97% من الأطفال، لكن بعض الأطفال قد تفوتهم إحدى الجرعات، بينما لا يستجيب جزء محدود منهم للقاح بصورة كافية.

ومن هنا تأتي أهمية الحملات القومية، التي تستهدف الوصول إلى الأطفال ورفع معدلات المناعة المجتمعية إلى نحو 95%، وهي النسبة اللازمة للحد من انتشار الفيروس.

وأشار إلى أن الجرعة الإضافية لا تمثل خطرا على الطفل الذي حصل على تطعيماته بالفعل، مع ضرورة الالتزام بالتعليمات الطبية المنظمة لمواعيد الجرعات.

 من 9 أشهر إلى 10 سنوات.. لماذا حددت الحملة هذه الأعمار؟

تبدأ الحملة القومية من عمر 9 أشهر، لأن الرضيع قبل هذا العمر قد تكون لديه أجسام مضادة انتقلت إليه من الأم، ويمكن أن تؤثر في استجابة الجسم للقاح.

أما تحديد سن 10 سنوات كحد أقصى، فيرتبط بتخطيط الفئات المستهدفة للحملة، مع مراعاة أن الحملات السابقة شملت الأطفال في هذه الفئة العمرية.

كما أن جرعة اللقاح ثابتة لجميع الأطفال، وتبلغ نصف ملليلتر، ولا ترتبط بوزن الطفل.

وتشمل الأعراض الجانبية المتوقعة ارتفاعا بسيطا في درجة الحرارة أو ظهور طفح جلدي خفيف بعد أسبوع إلى أسبوعين من التطعيم، بينما تستدعي الأعراض غير المعتادة مراجعة الطبيب والإبلاغ عنها عبر منظومة اليقظة الدوائية.

 ضعف السمع وحساسية النيومايسين.. هل يمنعان التطعيم؟

ومن الأسئلة التي طرحها أولياء الأمور مدى خطورة وجود آثار من المضاد الحيوي نيومايسين في اللقاح، خاصة على الأطفال الذين يعانون من ضعف السمع.

وأوضح عنان أن الكميات الموجودة في اللقاح ضئيلة للغاية، ولا تقارن بالجرعات العلاجية التي قد ترتبط بآثار جانبية على السمع.

وأشار إلى أن المانع المهم الذي ينبغي إبلاغ الطبيب به هو وجود تاريخ من الحساسية الشديدة تجاه النيومايسين أو أحد مكونات اللقاح، وفقا للتقييم الطبي.

كما أن إصابة الطفل بضعف السمع لا تعني في حد ذاتها حرمانه من التطعيم، بل إن الوقاية من الحصبة والحصبة الألمانية مهمة، نظرا لقدرة المرضين على التسبب في مضاعفات سمعية.

 المناعة الطبيعية أم اللقاح؟ ما الثمن الذي قد يدفعه الطفل؟

يرى البعض أن الإصابة بالمرض واكتساب المناعة الطبيعية أفضل من الحصول على اللقاح، إلا أن هذا التصور يتجاهل المخاطر المصاحبة للإصابة الفعلية.

فالمناعة الناتجة عن الإصابة بالحصبة قد تأتي بعد التعرض لالتهاب رئوي أو التهاب دماغ أو فقدان السمع، وقد تصل المضاعفات إلى الوفاة.

أما اللقاح فيدرب الجهاز المناعي على التعرف على الفيروس ومواجهته دون تعريض الطفل للمخاطر نفسها المرتبطة بالمرض.

وفي هذا السياق، شدد عنان على أن لقاحات الحصبة تُستخدم منذ أكثر من ستة عقود، وحصل عليها مئات الملايين من الأطفال حول العالم، بعد إخضاعها لمراحل طويلة من البحث والتقييم.

 الحملة القومية 2026. . تطعيم 21 مليون طفل في مصر

أطلقت وزارة الصحة والسكان الحملة القومية للتطعيم ضد الحصبة والحصبة الألمانية يوم 25 أكتوبر 2026، وتستمر لمدة ثلاثة أسابيع حتى منتصف نوفمبر، مستهدفة الحفاظ على المكاسب الصحية التي حققتها مصر في مكافحة المرضين.

وتستهدف الحملة نحو 21 مليون طفل من المصريين وغير المصريين المقيمين في مصر، من عمر 9 أشهر وحتى 10 سنوات، باستخدام اللقاح الثنائي ضد الحصبة والحصبة الألمانية.

وتتضمن خطة التنفيذ توفير نحو 23 مليون جرعة، بمشاركة أكثر من 14 ألف فرقة تطعيم موزعة على المحافظات السبع والعشرين.

وتُقدم الجرعات مجانا من خلال الوحدات والمراكز الصحية ومكاتب الصحة، والمدارس الحكومية والخاصة والدولية والمعاهد الأزهرية والحضانات، إلى جانب الفرق الطبية المتنقلة.

ويمكن لأولياء الأمور الاستفسار عن تفاصيل الحملة من خلال الخط الساخن لوزارة الصحة والسكان على الرقم 105.

 هل جرعة الحملة بديل عن التطعيم الروتيني؟

أكدت وزارة الصحة أن جرعة الحملة لا تحل محل التطعيمات الروتينية المقررة للأطفال، إذ يجب الالتزام بمواعيد الجرعات الأساسية وفقا للجدول المعتمد.

وفي حالة تزامن موعد التطعيم الروتيني مع الحملة، يُنصح بمراجعة الطبيب أو فريق التطعيم لتحديد التوقيت المناسب، مع مراعاة تعليمات الوزارة بشأن الفصل بين الجرعتين.

وتشير بيانات الحملة السابقة عام 2015 إلى تحقيق تغطية تجاوزت 98%، وهو ما يعكس أهمية وصول المعلومات إلى الأسر وتوضيح أماكن التطعيم ومواعيده.

 التطعيم مسؤولية فردية.. وحماية جماعية

لا تتوقف أهمية التطعيم عند حماية الطفل الذي يحصل على الجرعة، بل تمتد إلى حماية الرضع الذين لم يبلغوا سن التطعيم، والأطفال الذين تمنعهم ظروف صحية من الحصول عليه، والنساء الحوامل والأجنة المعرضين لمضاعفات الحصبة الألمانية.

وبين الأرقام التي تكشف حجم الوفيات والملايين الذين أنقذهم اللقاح، تظل الرسالة الأساسية أن الوقاية بالتطعيم تمثل أحد أهم أدوات حماية صحة الأطفال، وأن القرار الصحي السليم يجب أن يستند إلى الأدلة العلمية وتوجيهات الأطباء، بعيدا عن الشائعات والمعلومات غير الموثقة.

 

تم نسخ الرابط