رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

هديل موسى تكتب: اختارها مطلقة.. فهل أخطأ الاختيار؟

تفصيلة

​قد يختار شاب لم يسبق له الزواج امرأة سبق لها الزواج وانتهت تجربتها بالطلاق؛ لأنه وجد معها التفاهم والراحة والقبول، ورأى فيها شريكة يستطيع أن يبنى معها حياة مستقرة، لكن بمجرد أن يعرف المحيطون به قراره، تبدأ الأسئلة والاعتراضات: ألم يجد فتاة لم يسبق لها الزواج؟ لماذا اختار امرأة لها تجربة سابقة؟ وماذا سيقول الناس عنه؟

​هنا لا تصبح القضية مجرد زواج بين شخصين، بل تتحول إلى اختبار لنظرة المجتمع إلى المرأة المطلقة، وإلى قدرة الإنسان على اتخاذ قرار يخصه بعيداً عن أحكام الآخرين.

​ففي بعض البيوت لا يكون الاعتراض نابعاً من معرفة حقيقية بالمرأة أو بأسباب انتهاء زواجها السابق، بقدر ما يرتبط بالخوف من كلام الأقارب والجيران؛ وكأن الشاب مطالب بأن يختار وفقاً للصورة التي رسمها له المجتمع، لا وفقاً لما وجده من توافق واقتناع مع شريكة حياته.

​لكن السؤال الذي يستحق التفكير: هل تخاف الأسرة فعلاً على مستقبل ابنها، أم تخشى أن يقال إنه تزوج امرأة مطلقة رغم أنه لم يسبق له الزواج؟

​بالطبع من حق الأسرة أن تطمئن على ابنها، وأن تناقشه في أسباب الانفصال السابق والظروف التي قد تؤثر في حياته المقبلة ومدى التوافق بين الطرفين، لكن هناك فرقاً بين الحرص على مصلحة الابن وبين رفض امرأة لمجرد حالتها الاجتماعية دون معرفة شخصية أو تفاصيل تجربتها.

​فالطلاق لا يحكي القصة كاملة، ولا يعني أن المرأة هي المخطئة دائماً، كما أنه لا يجعلها أقل قيمة أو أقل استحقاقاً للحب والاستقرار. هناك زيجات انتهت بسبب اختلاف الطباع، وأخرى بسبب غياب التفاهم، وتجارب قد تكون صاحبتها حاولت إنقاذها حتى وصلت إلى طريق مسدود، ولا يستطيع أحد أن يحكم على حكاية كاملة من كلمة واحدة هي (مطلقة).

​والغريب أن المرأة قد تجد نفسها مطالبة بإثبات أنها تستحق الزواج مرة أخرى، بينما لا يخضع الرجل دائماً للمقدار نفسه من الأسئلة والأحكام، وكأن التجربة السابقة لا تُسقط عن الرجل حق الاختيار، بينما تُحاكم المرأة عليها وكأنها غير مستعدة لبدء حياة مختلفة.

​وفي المقابل، قد يتعرض الشاب لضغوط تجعله يشكك في اختياره، لا لأنه اكتشف ما يدعوه إلى القلق، ولكن لأنه يخشى أن يكون موضع حديث الناس وهنا نفقد المعنى الحقيقي للزواج الذي يقوم على الاختيار الواعي والتفاهم وتحمل المسؤولية، لا على إرضاء الآخرين.

​فهل الزواج الأول ضمان للسعادة؟ وهل عدم الزواج من قبل يعني بالضرورة أن الإنسان أكثر قدرة على بناء أسرة ناجحة؟

​الحقيقة أن الحالة الاجتماعية وحدها لا تجيب عن هذه الأسئلة؛ فقد تنجح علاقة بين شخصين لم يسبق لهما الزواج، وقد تنجح علاقة يكون لأحد طرفيها تجربة سابقة، كما قد تفشل أي علاقة إذا غاب الاحترام والتوافق والمسؤولية.

​وقد تكون هذه المرأة هي الزوجة التي كتبها الله لهذا الشاب، يجد معها المودة والسكينة اللتين يبحث عنهما؛ فالأقدار بيد الله، ولا يعلم أحد أين يجد نصيبه، وليس من حق المجتمع أن يتعامل مع الطلاق باعتباره حكماً نهائياً على مستقبل المرأة، أو أن يغلق أمامها أبواب الحياة الجديدة بسبب تجربة لم تكتمل.

​وفي الوقت نفسه، فإن الإيمان بالأقدار لا يعفينا من التفكير وحسن الاختيار؛ فنجاح الزواج يحتاج إلى الصراحة والثقة والتوافق، وإلى استعداد حقيقي من الطرفين لبناء حياة مشتركة.

​إن المشكلة ليست في أن تختلف الأسرة مع اختيار ابنها فقد يكون لديه ما يستحق المناقشة، وإنما في أن يتحول الاختلاف إلى انتقاص من المرأة أو تشكيك في قيمتها لمجرد أنها مطلقة. وهناك فرق كبير بين أن نحذر إنساناً من أمر نعرف أسبابه، وأن نحكم عليه بسبب لقب اجتماعى لا يكشف حقيقة شخصيته.

​في النهاية، قد يرفض المجتمع اختياراً لأنه غير معتاد، لكن عدم اعتياد الناس على شيء لا يجعله خطأً بالضرورة؛ فالمرأة لا تفقد حقها في الحب والاستقرار لأن زواجاً سابقاً انتهى، والشاب لا ينبغي أن يقاس اختياره برضا الناس عنه، وإنما بمدى وعيه وقدرته على تحمل مسؤولية قراره.

​فالحياة لن يعيشها الأقارب والجيران والأصدقاء، ولن يتحملوا مسؤولية تفاصيلها؛ من سيعيشها هما الزوجان، ومن حقيهما أن يحصلا على فرصة عادلة لبناء مستقبلهما بعيداً عن أحكام تختصر الإنسان في تجربة من ماضيه.

تم نسخ الرابط