رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

نصر نعيم يكتب: مكاسب الردع ومخاطر الانزلاق إلى صراع طويل

تفصيلة

في لحظات الأزمات الكبرى، لا تُقاس قوة الدول بما تملكه من جيوش وأسلحة فحسب، بل بقدرتها على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب، وتحديد حدود التزاماتها، وحماية مصالحها الوطنية وسط صراع تتداخل فيه الحسابات العسكرية والاقتصادية والسياسية.

ومن هنا تبرز قضية تقديم دعم عسكري مصري للسعودية بوصفها ملفا يتجاوز حدود التضامن العربي التقليدي؛ فهي قضية تتعلق بأمن الخليج، ومكانة مصر الإقليمية، ومستقبل العلاقات المصرية السعودية، والأهم من ذلك كله بين قوسين (الثمن الذي يمكن أن تتحمله الدولة المصرية إذا تحولت المساندة الدفاعية إلى انخراط طويل الأمد في مواجهة إقليمية مفتوحة).

وفي تطور مهم، وافق مجلس النواب، اليوم الاثنين على تفويض الرئيس باتخاذ الإجراءات اللازمة لدعم السعودية والدفاع عن أراضيها وسيادتها ومقدساتها ضد أي عدوان خارجي، في سياق متواز لتعهد الرئيس عبد الفتاح السيسي بأن الدعم العسكري المقصود دفاعي، ولا يشمل مهاجمة اليمن ليحسم قوله نقطة جدل اتسعت خلال الأيام الماضية حول طبيعة ومهام القوات المصرية المزمع إرسالها للسعودية، لكن دعونا نزن الأمور بميزان مجرد، بعيدا عن العاطفة والنخوة والفزعة.

بداية لماذا قد يكون إرسال قوات مصرية مكسبًا استراتيجيا؟
لا يمكن فصل أمن السعودية عن أمن مصر بمعزل عن الجغرافيا والمصالح المشتركة، فالبحر الأحمر، ومضيق باب المندب، وحركة الملاحة المرتبطة بقناة السويس، كلها عناصر تجعل أي اضطراب عسكري واسع في المنطقة قضية مصرية مباشرة، لا مجرد أزمة بعيدة عن حدودها، فمساهمة مصر في الدفاع عن الأراضي السعودية سيعزز من قدرة الرياض على مواجهة الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيرة، إذا جرى الدعم وفق احتياجات دفاعية محددة، كما أن التنسيق العسكري والاستخباراتي قد يساعد في حماية المنشآت الحيوية وخطوط الملاحة، ويبعث برسالة مفادها أن استهداف دول المنطقة لن يمر دون تنسيق واستجابة من شركائها.

لكن قيمة هذا الردع تتوقف على طبيعة المهمة، فالدفاع الجوي، وتأمين المنشآت، والتدريب، وتبادل المعلومات، ليست كالمشاركة في عمليات هجومية أو الدخول في حرب برية ممتدة، اختلاف المهمة يعني اختلاف التكلفة والمخاطر والنتائج.

العلاقة بين القاهرة والرياض كذلك ليست علاقة دبلوماسية عابرة؛ إنها شراكة ترتبط بالاستثمار والتجارة والطاقة والعمالة المصرية في الخليج والتنسيق بشأن القضايا العربية. وقد تمنح المساهمة المصرية في حماية السعودية هذه الشراكة بعدًا أمنيا أكثر وضوحا، وتدعم فكرة أن التعاون بين البلدين يقوم على المصالح والمسؤوليات المتبادلة.

عندما تشارك دولة في معالجة أزمة تمس أمن المنطقة، فإنها تسعى عادةً إلى حماية مصالحها وإلى أن يكون لها صوت في ترتيبات ما بعد الأزمة، ومن هذا المنطلق، ستمنح المشاركة المصرية القاهرة قدرة أكبر على التأثير في النقاشات المتعلقة بأمن البحر الأحمر والخليج وتسوية الصراعات الإقليمية.
ثانيًا - ما العواقب المحتملة؟

إذا كانت للمشاركة العسكرية مكاسب محتملة، فإنها تحمل كذلك تكاليف لا يجوز التقليل منها، خصوصًا في منطقة تتشابك فيها النزاعات وتتعدد فيها الأطراف القادرة على التصعيد وهنا يبرز التحدي الذي يرتقي لمرحلة الخطر من تحول المهمة الدفاعية إلى مواجهة أوسع ومن مهمة تحت عنوان «حماية الأراضي السعودية»، إلى مهمة تتغير طبيعتها نتيجة تطورات الميدان أو اتساع دائرة الردود العسكرية، فقد يؤدي استهداف القوات المشاركة أو المنشآت التي تتولى حمايتها إلى ضغوط لاتخاذ إجراءات إضافية، بما يخلق سلسلة من الالتزامات يصعب إنهاؤها سريعًا.

والسؤال الجوهري هنا ليس فقط: لماذا تشارك مصر؟ بل أيضًا: ما حدود المشاركة؟ وماذا يحدث إذا توسعت الحرب؟ ومن يقرر الانتقال من الدفاع إلى الرد العسكري؟ وما الشروط التي تسمح بإنهاء المهمة وسحب القوات؟..

السعودية بدون شك دولة شقيقة، وقدمت لمصر الكثير حاصة في أوقات غاية في الصعوبة استحقت عليها تحية عسكرية في حفل تخرج طلاب الكليات العسكرية، والسعودية تستضيف ملايين المصريين كعمالة دائمة يحولون مليارات الدولارات لمصر سنويا، وأمنها يرتبط بمصالح عربية ومصرية حقيقية، لكن مصر، في الوقت نفسه، دولة ذات مسؤوليات وطنية واقتصادية وأمنية لا يمكن فصلها عن أي قرار خارجي، والتحدي أمام صانع القرار هو صياغة معادلة تحمي الشريك، وتصون الجندي، وتحافظ على مصالح الدولة، وتبقي باب التسوية السياسية مفتوحًا، والتعامل بحذر مع النهايات المفتوحة على الأرض.

تم نسخ الرابط