النفط عند 120 دولارًا.. هل يستعد العالم لزلزال اقتصادي وموجة غلاء ضخمة؟
في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية والمخاوف المتزايدة بشأن إمدادات الطاقة، تتجه الأنظار إلى أسواق النفط العالمية، وسط تحذيرات من تداعيات وصول سعر البرميل إلى مستوى 120 دولارًا، وهو ما قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من التضخم وارتفاع أسعار السلع والخدمات، ويزيد الضغوط على الشركات والمستهلكين، فضلًا عن تهديد فرص النمو الاقتصادي ورفع احتمالات البطالة.
وتتصاعد المخاوف من أن تتحول قفزة أسعار النفط من أزمة داخل أسواق الطاقة إلى أزمة اقتصادية واسعة النطاق، تمتد آثارها إلى قطاعات النقل والصناعة والزراعة والتجارة، في وقت تواجه فيه الاقتصادات العالمية تحديات متشابكة تتعلق بتكاليف الإنتاج واستقرار الأسواق والقدرة على احتواء التضخم.
وفي هذا السياق، حذر الدكتور ممدوح سلامة، الخبير الدولي في النفط والطاقة، من أن استمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، وصولًا إلى 120 دولارًا للبرميل، قد يتجاوز قدرة الاقتصاد العالمي على التحمل، مؤكدًا أن انعكاسات الأزمة لن تتوقف عند زيادة أسعار الوقود، بل قد تمتد إلى معدلات النمو والتضخم والبطالة ومستويات المعيشة.
تأتي التحذيرات من ارتفاع أسعار النفط في وقت تشهد فيه الأسواق حالة من الترقب بسبب التوترات السياسية والعسكرية في المنطقة، والمخاوف المرتبطة بإمكانية تعطل الإمدادات القادمة من مناطق إنتاج النفط الرئيسية.
وتوقع ممدوح سلامة، خلال مداخلة عبر تطبيق «زووم» مع الإعلامية لميس الحديدي في برنامج «الصورة» المذاع على قناة النهار، أن يتجه خام برنت إلى مستوى 120 دولارًا للبرميل مع استئناف التداول، بعدما اقترب من 117 دولارًا يوم الجمعة، محذرًا من أن استمرار الأسعار عند هذه المستويات قد يفرض أعباء متزايدة على الاقتصاد العالمي.
وأوضح الخبير الدولي أن دراسة سابقة أعدها تشير، وفق تقديره، إلى قدرة الاقتصاد العالمي على تحمل أسعار للنفط تتراوح بين 100 و110 دولارات للبرميل، لكنه حذر من أن تجاوز هذا النطاق والوصول إلى 120 دولارًا قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي واسع النطاق.
وتكمن خطورة هذه المستويات السعرية في أن النفط يمثل عنصرًا أساسيًا في تكلفة تشغيل العديد من الأنشطة الاقتصادية، وبالتالي فإن ارتفاعه لفترة طويلة قد ينعكس على تكلفة الإنتاج والنقل والتوزيع، بما يضع الشركات أمام خيارات صعبة بين تحمل الأعباء الإضافية أو رفع أسعار منتجاتها وخدماتها.
ولا تتوقف الأزمة عند حدود ارتفاع أسعار النفط، إذ إن استمرار الضغوط على أسواق الطاقة قد يدفع الحكومات والبنوك المركزية إلى مواجهة معادلة صعبة، تتمثل في احتواء التضخم دون التسبب في مزيد من التباطؤ الاقتصادي.
يطرح احتمال وصول النفط إلى 120 دولارًا للبرميل سؤالًا مهمًا بشأن تأثير ذلك على أسعار السلع الأساسية والمنتجات الغذائية والخدمات التي يعتمد عليها المواطنون بصورة يومية.
وتبدأ سلسلة التأثير من قطاع الطاقة، إذ يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة تكلفة الوقود المستخدم في نقل البضائع وتشغيل المعدات والآلات، وهو ما قد يرفع تكلفة انتقال المنتجات من المصانع والمزارع إلى الأسواق ومنافذ البيع.
كما تتأثر قطاعات الصناعة والزراعة بارتفاع تكاليف التشغيل، خاصة الأنشطة التي تعتمد على الطاقة بصورة كبيرة، فضلًا عن التأثيرات غير المباشرة المرتبطة بأسعار الأسمدة والمواد الخام والخدمات اللوجستية.
وفي حال استمرار هذه الضغوط، قد تجد الشركات نفسها مضطرة إلى تحميل المستهلكين جانبًا من الزيادة في التكاليف، الأمر الذي قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار مجموعة واسعة من السلع والخدمات، وإن كانت درجة التأثير تختلف من دولة إلى أخرى وفقًا لسياسات التسعير والدعم والضرائب، ومدى الاعتماد على استيراد الطاقة.
وحذر سلامة من أن ارتفاع تكاليف الطاقة قد يدفع معدلات التضخم إلى الارتفاع مجددًا، بالتزامن مع تراجع قدرة الاقتصادات على تحقيق معدلات نمو مستقرة.
وتزداد المخاوف عندما تتزامن زيادة أسعار الطاقة مع ارتفاع تكاليف التمويل والإنتاج، لأن الشركات قد تواجه ضغوطًا متزامنة تقلل قدرتها على التوسع والاستثمار، وهو ما قد ينعكس على فرص العمل والدخول ومستويات الاستهلاك.
لا تقتصر تداعيات ارتفاع النفط على زيادة فواتير الوقود أو أسعار المنتجات، وإنما تمتد إلى سوق العمل ومعدلات النمو الاقتصادي.
فمع ارتفاع تكلفة الإنتاج والنقل، قد تتراجع هوامش أرباح الشركات، خصوصًا في القطاعات التي يصعب عليها تمرير الزيادات السعرية بالكامل إلى المستهلكين. وفي هذه الحالة، قد تلجأ بعض المؤسسات إلى تقليص الإنفاق أو تأجيل خطط التوسع والاستثمار، بما قد يؤثر على قدرتها على توفير وظائف جديدة.
وفي المقابل، يؤدي ارتفاع أسعار السلع والخدمات إلى تراجع القوة الشرائية للمستهلكين، إذ تصبح الأسر مطالبة بتخصيص جزء أكبر من دخولها لتغطية نفقات الطاقة والنقل والغذاء والاحتياجات الأساسية.
ويؤدي هذا الوضع إلى ضغوط مزدوجة؛ فمن ناحية ترتفع تكلفة المعيشة، ومن ناحية أخرى قد تتباطأ الأنشطة الاقتصادية التي تعتمد على إنفاق المواطنين.
وتكمن المعضلة في أن ارتفاع أسعار النفط قد يفرض على صانعي السياسات الاقتصادية تحديًا إضافيًا، خاصة إذا استمر التضخم في الارتفاع بالتزامن مع تباطؤ النمو، وهو ما يقلص هامش المناورة أمام الحكومات والبنوك المركزية.
وبينما قد تستفيد بعض الدول المصدرة للنفط من ارتفاع الأسعار على المدى القصير، فإن الدول المستوردة للطاقة قد تواجه أعباء أكبر نتيجة زيادة قيمة فاتورة الواردات، والضغوط المحتملة على الموازنات العامة وأسعار الصرف والميزان التجاري
من بين المخاطر التي أشار إليها الخبير الدولي ممدوح سلامة، تراجع الاحتياطيات الاستراتيجية من النفط لدى عدد من القوى الاقتصادية الكبرى، ومن بينها الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي والصين والهند وبعض دول منطقة المحيط الهادئ.
وتكتسب الاحتياطيات الاستراتيجية أهمية كبيرة في أوقات الأزمات، إذ يمكن استخدامها للمساعدة في تعويض جزء من نقص الإمدادات أو تهدئة الضغوط التي تتعرض لها الأسواق عند حدوث اضطرابات مفاجئة.
لكن استخدام هذه المخزونات لفترات طويلة قد يقلل قدرة الدول على التعامل مع أزمات جديدة، خاصة إذا استمرت الاضطرابات أو اتسع نطاقها، وأصبحت الأسواق بحاجة إلى كميات إضافية لتعويض النقص في الإمدادات.
وأشار سلامة إلى أن الولايات المتحدة سحبت، وفق تقديراته، نحو 400 ألف برميل إضافي من احتياطياتها الاستراتيجية قبل يومين، مضيفًا أن المخزون الأمريكي يبلغ نحو 180 مليون برميل، وهو مستوى قال إنه يكفي لأقل من تسعة أيام.
كما قارن هذا المستوى بما ذكر أنه كان مستهدفًا عند إنشاء الاحتياطي، مشيرًا إلى رقم بلغ 635 مليون طن وفق الأرقام التي عرضها.
وتظل هذه الأرقام والتقديرات بحاجة إلى التمييز بين حجم المخزون الفعلي، ومعدلات السحب اليومية، والقدرة التشغيلية على ضخ النفط في الأسواق؛ إذ لا يمكن تحديد المدة التي تكفيها الاحتياطيات بدقة دون معرفة حجم الاستهلاك ومعدلات السحب والطاقة المتاحة للتوزيع.
وتتمثل المخاوف الأساسية في أن الاحتياطيات الاستراتيجية ليست مصدرًا دائمًا للإمدادات، بل أداة استثنائية للتعامل مع الأزمات، وقد تتراجع فعاليتها إذا طال أمد الاضطرابات أو تكررت الصدمات في أسواق الطاقة.
يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز عالميًا، ولذلك فإن أي اضطراب واسع في حركة الملاحة عبره قد تكون له انعكاسات كبيرة على أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
وربط سلامة بين تصاعد التوترات الإقليمية ومخاطر استمرار إغلاق المضيق، محذرًا من أن تعطل حركة النفط عبر هذا الممر الحيوي قد يؤدي إلى تفاقم نقص الإمدادات ويدفع الأسعار إلى مستويات أعلى، خاصة إذا تزامن ذلك مع تراجع قدرة الدول على تعويض النقص من خلال الاحتياطيات الاستراتيجية.
وتزداد حساسية الأسواق تجاه هذه التطورات بسبب اعتماد عدد من الاقتصادات على الإمدادات النفطية التي تمر عبر الخليج العربي، وهو ما يجعل أمن الممرات البحرية عنصرًا مؤثرًا في استقرار الأسعار العالمية.
ولا تقتصر المخاطر على احتمال توقف حركة الناقلات، إذ إن اتساع نطاق المواجهات العسكرية قد يهدد منشآت الإنتاج والتخزين والتصدير، بما قد يؤدي إلى خروج كميات من النفط من السوق، سواء بصورة مؤقتة أو لفترات أطول.
وحذر الخبير الدولي من أن اتساع نطاق الحرب في منطقة الخليج العربي قد يقود إلى أزمة طاقة شديدة، في ظل التهديدات المتبادلة باستهداف منشآت الطاقة وما قد يترتب عليها من أضرار تطال البنية التحتية النفطية.
وأشار إلى أن التهديدات الإيرانية باستهداف أهداف أمريكية وإسرائيلية في المنطقة، والتحذير من استهداف منشآت الطاقة الخليجية إذا تعرضت المنشآت الإيرانية لهجمات، يزيدان حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الإمدادات.
وتؤثر هذه المخاوف في الأسواق حتى قبل وقوع أي انقطاع فعلي، إذ قد تدفع المتعاملين إلى توقع نقص مستقبلي في المعروض، وهو ما يزيد التقلبات السعرية ويعزز احتمالات ارتفاع تكلفة تأمين الشحنات ونقلها.
وفي سياق متصل، توقع سلامة استمرار الضغوط على سوق النفط خلال العامين المقبلين، مشيرًا إلى أن عددًا من الحقول النفطية الكبيرة في السعودية ودول الخليج تجاوزت أعمارها، بحسب تقديره، 70 أو 80 عامًا.
ويرى الخبير أن هذه المسألة تستدعي الانتباه إلى احتمالات تراجع الإنتاج مع مرور الوقت، خاصة إذا تزامنت تحديات الحقول القديمة مع اضطرابات سياسية وعسكرية تؤثر على حركة الإمدادات.
غير أن عمر الحقول النفطية وحده لا يكفي للحكم على حجم إنتاجها المستقبلي، إذ يتوقف ذلك أيضًا على معدلات النضوب، والاستثمارات في التطوير والصيانة، والتقنيات المستخدمة في الاستخراج، وخطط الشركات والدول المنتجة.
اقرأ أيضاً.. التصالح على مخالفات البناء.. خصم 50% ومهلة 60 يومًا قد تغيّر مصير الملايين