رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

مصر ترفض التصديق على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا (القصة الكاملة)

وزيرا الخارجية المصرى
وزيرا الخارجية المصرى والتركى

في تحرك دبلوماسي يعكس تمسك مصر بمواقفها تجاه الملفات الاستراتيجية في منطقة شرق البحر المتوسط، جدد الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، التأكيد على الرفض المصري القاطع للتصديق على مذكرة التفاهم الموقعة بين تركيا وليبيا عام 2019 بشأن تحديد مجالات الصلاحية البحرية في البحر المتوسط، مشددًا على ضرورة الالتزام بقواعد القانون الدولي للبحار، واحترام الحقوق البحرية للدول وفقًا للمبادئ القانونية المعترف بها دوليًا.

وجاءت التصريحات خلال لقاء جمع وزير الخارجية المصري بنظيره التركي هاكان فيدان، اليوم الجمعة، في مدينة إسطنبول، على هامش اجتماعات الآلية الرباعية مع الدول الأوروبية، حيث ناقش الجانبان تطورات الأوضاع في ليبيا، إلى جانب الموقف المصري من مذكرة التفاهم البحرية، وسبل مواصلة التنسيق والتشاور بشأن القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك.

ويأتي اللقاء في ظل استمرار أهمية ملف شرق البحر المتوسط بالنسبة إلى القاهرة، سواء فيما يتعلق بحماية مصالحها البحرية، أو دعم استقرار ليبيا والحفاظ على وحدة أراضيها ومؤسساتها الوطنية، في وقت تتداخل فيه الاعتبارات السياسية والقانونية والاستراتيجية في رسم مواقف الدول المطلة على المنطقة.

تصدر ملف مذكرة التفاهم الموقعة بين تركيا وليبيا عام 2019 بشأن تحديد مجالات الصلاحية البحرية أجندة المباحثات المصرية التركية، بعدما جدد وزير الخارجية بدر عبد العاطي موقف القاهرة الرافض للتصديق عليها، مؤكدًا أن مصر تتمسك بحقوقها ومصالحها البحرية، وتدعو إلى معالجة القضايا المتعلقة بترسيم الحدود البحرية وفقًا لقواعد القانون الدولي.

ويعكس هذا الموقف استمرار التحفظ المصري على الترتيبات البحرية التي أبرمتها أنقرة وطرابلس في نوفمبر 2019، والتي أثارت خلافات سياسية وقانونية في منطقة شرق البحر المتوسط، بسبب انعكاساتها المحتملة على تحديد مناطق الاختصاص البحري والحقوق المرتبطة بها.

وتنظر القاهرة إلى ملف الحدود البحرية باعتباره قضية تتجاوز حدود التفاهمات الثنائية بين الدول، نظرًا لارتباطه بحقوق الدول الساحلية في مناطقها البحرية، وما يترتب على ذلك من مصالح استراتيجية واقتصادية، فضلًا عن تأثيره في مستقبل التعاون الإقليمي في مجالات الطاقة والموارد البحرية.

ومن هذا المنطلق، شدد عبد العاطي على رفض مصر القاطع للتصديق على المذكرة، في تأكيد جديد على أن القاهرة تتمسك بموقفها المعلن إزاء الاتفاق، ولا تعتبر معالجة الخلافات البحرية ممكنة بمعزل عن القواعد القانونية الدولية المنظمة لهذه المسائل.

لم يقتصر الموقف المصري خلال اللقاء على إعلان رفض مذكرة التفاهم، بل امتد إلى التأكيد على أهمية احترام مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، باعتبارها من المرجعيات الأساسية المنظمة لحقوق الدول الساحلية والتزاماتها.

وأكد وزير الخارجية ضرورة مراعاة القواعد القانونية المتعلقة بتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، مع الالتزام بمبادئ العدل والإنصاف بين الدول، بما يضمن التعامل مع النزاعات البحرية على أساس قانوني واضح، بعيدًا عن فرض ترتيبات أحادية تتجاهل حقوق الأطراف المعنية.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في منطقة شرق البحر المتوسط، التي تتقاطع فيها المصالح البحرية لعدد من الدول، وترتبط فيها الحدود البحرية بملفات اقتصادية واستراتيجية، من بينها استكشاف موارد الطاقة وإدارة الثروات البحرية وتطوير مشروعات التعاون الإقليمي.

وتتيح المنطقة الاقتصادية الخالصة للدولة الساحلية حقوقًا سيادية تتعلق باستكشاف الموارد الطبيعية واستغلالها وإدارتها وفقًا لأحكام القانون الدولي، بينما تتصل حقوق الجرف القاري بقاع البحر وباطن أرضه والموارد الطبيعية الموجودة فيه، وذلك في الحدود والشروط التي يقررها القانون الدولي.

ومن هنا، تبرز أهمية الالتزام بالأطر القانونية عند التعامل مع أي ترتيبات تتعلق بتحديد الاختصاصات البحرية، لا سيما في المناطق التي تتداخل فيها المطالبات أو تتعارض فيها التفسيرات القانونية بين الدول.

ويعكس تأكيد عبد العاطي على مبادئ العدل والإنصاف حرص القاهرة على إسناد موقفها إلى قواعد قانونية دولية، بما يضع ملف مذكرة التفاهم في إطار أوسع يتصل بشرعية الترتيبات البحرية وحقوق الدول الساحلية، وليس مجرد خلاف سياسي بين القاهرة وأنقرة.
إلى جانب الملف البحري، تناول اللقاء تطورات الأوضاع في ليبيا، حيث جدد وزير الخارجية المصري تأكيد موقف القاهرة الثابت الداعم لوحدة الدولة الليبية وسيادتها وسلامة أراضيها واستقرارها.

وشدد عبد العاطي على أهمية دعم مؤسسات الدولة الليبية، بما يحافظ على مصالح الشعب الليبي ويستجيب لتطلعاته، في إطار رؤية مصرية تقوم على الحفاظ على وحدة البلاد وتجنب المسارات التي قد تؤدي إلى تعميق الانقسامات أو إضعاف المؤسسات الوطنية.

ويحظى الملف الليبي بأهمية كبيرة في السياسة الخارجية المصرية، بالنظر إلى الروابط الجغرافية والأمنية والسياسية التي تجمع البلدين، فضلًا عن تأثير استقرار ليبيا في أمن الحدود الغربية لمصر وفي استقرار منطقة شمال إفريقيا وشرق البحر المتوسط.

كما يرتبط مستقبل ليبيا بملفات متعددة، تشمل دعم المؤسسات الوطنية، وتحقيق الاستقرار السياسي والأمني، والحفاظ على وحدة الأراضي الليبية، وتهيئة الظروف اللازمة لتلبية تطلعات المواطنين الليبيين.

وفي هذا السياق، يمثل الحوار المصري التركي بشأن ليبيا أحد مسارات التشاور الإقليمي حول تطورات الأزمة الليبية، خاصة في ظل اختلاف المواقف بشأن عدد من الملفات المرتبطة بالمرحلة السياسية والعلاقات بين الأطراف الفاعلة داخل البلاد.

ويبرز التأكيد المصري على دعم مؤسسات الدولة الليبية باعتباره عنصرًا أساسيًا في رؤية القاهرة لتحقيق الاستقرار، مع التشديد على أن مصالح الشعب الليبي ووحدة بلاده وسلامة أراضيه تظل من الاعتبارات الرئيسية في التعامل مع تطورات الأزمة.

من جانبه، أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان تفهمه للشواغل المصرية المتعلقة بتطورات الأوضاع في ليبيا، مشددًا على أهمية مواصلة التشاور والتنسيق والعمل المشترك للتعامل مع هذه الشواغل ودعم الجهود الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في البلاد.

ويعكس هذا الموقف أهمية استمرار قنوات الحوار بين القاهرة وأنقرة، خصوصًا في الملفات التي تتطلب معالجة سياسية ودبلوماسية، وفي مقدمتها تطورات الأزمة الليبية وما يرتبط بها من حسابات إقليمية.

كما يشير التأكيد على مواصلة التنسيق إلى وجود مساحة للحوار بين الجانبين بشأن القضايا المشتركة، رغم استمرار الخلاف حول مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين تركيا وليبيا عام 2019.

غير أن تفهم الشواغل المصرية، وفق ما ورد بشأن اللقاء، لا يعني بالضرورة التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن المذكرة البحرية أو تسوية جميع نقاط الخلاف بين البلدين، إذ لم يتضمن الإعلان عن اللقاء ما يفيد التوصل إلى تفاهم جديد بشأن مستقبل الاتفاق أو الإجراءات المتعلقة به.

وتظل أهمية هذا المسار الدبلوماسي مرتبطة بقدرته على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، وتوفير مساحة لمناقشة الملفات الخلافية، مع استمرار تمسك كل طرف بمواقفه ومصالحه المعلنة

تكشف المباحثات المصرية التركية عن استمرار تداخل الملفات البحرية والسياسية في منطقة شرق البحر المتوسط، حيث لا يقتصر تحديد مناطق الاختصاص البحري على الجوانب الفنية والقانونية، بل يمتد إلى اعتبارات تتعلق بالسيادة والمصالح الاقتصادية والتوازنات الإقليمية.

وتأتي مذكرة التفاهم البحرية لعام 2019 في مقدمة الملفات التي أثارت خلافات بين أطراف إقليمية، نظرًا إلى ارتباطها بترسيم مناطق الاختصاص البحري وما قد يترتب على ذلك من آثار في الحقوق البحرية للدول المعنية.

وفي مثل هذه الملفات، تكتسب المرجعيات القانونية أهمية محورية، خصوصًا عندما تتباين مواقف الدول بشأن تفسير قواعد ترسيم الحدود البحرية أو مدى تأثير الاتفاقات الثنائية في حقوق أطراف أخرى.

 

اقرأ أيضاً.. مدبولي يفتح الملفات الشائكة.. الأسعار ومخالفات البناء والكلاب الضالة على طاولة الحوار

تم نسخ الرابط