تعزيز الصادرات وتحصين الاقتصاد.. كيف تعيد جولة السيسي تشكيل خريطة الاستثمار الأجنبي؟
تمثل الجولة الرئاسية التي يقوم بها الرئيس عبد الفتاح السيسي، وتشمل محطات استراتيجية في كوريا الجنوبية، وماليزيا، وإندونيسيا، تحركاً نوعياً يعكس إدراك الدولة لضرورة الانفتاح على القوى الاقتصادية والتكنولوجية الصاعدة في آسيا، وإعادة صياغة هيكل الشراكات الدولية في توقيت تشهد فيه مسارات التجارة وسلاسل الإمداد العالمية تحولات عميقة تفرض تنويع قنوات الاستثمار ونقل المعرفة الصناعية.
وأكد الدكتور أيمن محسب، وكيل لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب، أن هذا التوجه لا ينحصر في البعد الدبلوماسي، بل يتجاوزه إلى بناء تحالفات إنتاجية ذات قيمة مضافة عالية ترتكز على تبادل المزايا النسبية، مشدداً على أن الهدف الجوهري يكمن في تحويل موقع مصر وبنيتها التحتية إلى منصة صناعية إقليمية قادرة على الاندماج في سلاسل الإنتاج الآسيوية والنفاذ منها نحو الأسواق الإفريقية والأوروبية.
الشراكة الاستراتيجية مع كوريا الجنوبية.. الانتقال للقيمة المضافة المرتفعة
يفتح الارتقاء بالعلاقات المصرية الكورية إلى مستوى "الشراكة الاستراتيجية" آفاقاً واسعة لإعادة هيكلة القطاع الصناعي الوطني:
توطين التكنولوجيا والتصنيع المتقدم: تتيح الاستفادة من التجربة الكورية الرائدة نقل المعرفة الفنية في مجالات الإلكترونيات، والمعدات الهندسية، وحلول الطاقة النظيفة، مما يساعد القاعدة الإنتاجية المحلية على التحول من مجرد التجميع البسيط إلى تصنيع مكونات معقدة ذات قيمة مضافة مرتفعة.
تفعيل مخرجات المائدة المستديرة: يمثل الحوار المباشر بين القيادة السياسية ورؤساء كبرى المجموعات الاستثمارية الكورية خطوة لربط الإرادة السياسية بالفرص التنفيذية، وهو ما يتطلب سرعة إزالة المعوقات الإجرائية، وتوفير الأراضي المرفقة، وتسهيل تأسيس المشروعات المشتركة لتعميق المكون المحلي.
تأهيل الكوادر وتطوير سلاسل التوريد المحلية: يستهدف التعاون مع الجانب الكوري تدريب الأيدي العاملة الفنية ورفع كفاءة المصانع المغذية (Suppliers) لتتوافق مع معايير الجودة العالمية، مما يخفض الاعتماد على استيراد السلع الوسيطة ويوفر موارد مستدامة من النقد الأجنبي.
محورا ماليزيا وإندونيسيا.. استثمار في الاقتصاد الحلال والأسواق الواعدة
تحمل الروابط الاقتصادية مع دول جنوب شرق آسيا فرصاً تسويقية وتصنيعية واسعة لقطاعات الإنتاج المصري:
اقتحام منظومة الاقتصاد الحلال مع ماليزيا: تتميز التجربة الماليزية بريادة دولية في معايير وتجارة الأغذية والأدوية المصنفة وفق الشريعة (Halal Industry)، ويوفر التعاون المشترك فرصة لتأسيس خطوط إنتاج دوائية وغذائية مصرية معتمدة تستهدف التصدير لأسواق جنوب شرق آسيا والعالم الإسلامي.
الشراكة الرقمية والطاقة المتجددة: تشمل مجالات التكامل مع كوالالمبور قطاعات الاقتصاد الرقمي، والتطبيقات التكنولوجية في إدارة الموانئ، ومشروعات التحول الأخضر، بما يرفع جاهزية المؤسسات الإنتاجية المحلية للمنافسة العالمية.
السوق الإندونيسية كبوابة استهلاكية كبرى: يتيح الانفتاح على جاكرتا الوصول إلى سوق يضم مئات الملايين من المستهلكين، مما يتطلب تجاوز أنماط الاستيراد والتصدير النمطية، والتركيز على تدشين غرف تجارية مشتركة ومسارات تصديرية مباشرة للحاصلات والمنتجات التعدينية والكيماوية المصرية.
مقومات المركز الإقليمي واشتراطات التنفيذ على أرض الواقع
حدد وكيل اقتصادية النواب المسارات التي تكفل تحويل نتائج الزيارات الخارجية إلى عوائد تنموية ملموسة داخل السوق المحلية:
استغلال أصول المنطقة الاقتصادية لقناة السويس: تسهم الموانئ المحورية ومحاور التجارة التي تربط القارات الثلاث في جعل مصر موقعاً نموذجياً للشركات الآسيوية الباحثة عن تقليص تكاليف الشحن وتفادي اختناقات الملاحة، للوصول السريع إلى الأسواق العربية والإفريقية المرتبطة بمصر عبر اتفاقيات التجارة الحرة (مثل الكوميسا ومنطقة التجارة الإفريقية القارية).
تنويع الشركاء دون التخلي عن الأسواق التقليدية: إن تعزيز الروابط مع آسيا لا يهدف إلى استبدال الشركاء الغربيين أو الإقليميين، بل يستهدف خلق توازن استراتيجي يوسع مساحة الخيارات المتاحة، ويحد من الانكشاف المالي على تقلبات أي قطب اقتصادي بمفرده.
حوكمة المتابعة وربط الاتفاقيات ببرامج زمنية: تتطلب المرحلة الراهنة صياغة آليات عمل حكومية صارمة تضع جداول زمنية لمتابعة مذكرات التفاهم، وقياس حجم رؤوس الأموال الفعلية التي تدخل دورة التشغيل، ومراقبة مساهمتها الميدانية في خلق الوظائف ورفع الصادرات الصناعية للدولة.

