رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

من الملاكمة إلى عرش التلاوة.. حكايات تكشف الوجه الآخر للشيخ محمود علي البنا

الشيخ محمود على البنا
الشيخ محمود على البنا

منذ طفولته، ارتبط اسم القارئ الراحل الشيخ محمود علي البنا بالقرآن الكريم، بعدما نشأ في أسرة جعلت من كتاب الله محورًا لحياتها، ونذر والداه أن يكون خادمًا للقرآن، فيما حملت دعوات جده وأسرته أمنية أن يصبح من أهل التلاوة والقراءات. ومع مرور السنوات، تحولت هذه الأمنية إلى واقع، ليصبح واحدًا من أبرز أعلام التلاوة في مصر، بصوت عذب ترك أثرًا عميقًا في قلوب ملايين المستمعين.

ورغم شهرته الواسعة بوصفه أحد كبار قراء القرآن الكريم، فإن حياة الشيخ محمود علي البنا حملت جوانب إنسانية ومواقف غير معروفة لدى كثيرين، بدءًا من طفولته وحفظه القرآن في سن مبكرة، مرورًا برحلته من طنطا إلى القاهرة، وصولًا إلى ممارسته الرياضة والملاكمة والمصارعة، قبل أن يسطع نجمه في سماء التلاوة.

وكشفت الإعلامية سهير جودة، عبر حسابها الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، تفاصيل ومحطات مؤثرة من حياة القارئ الراحل، نقلًا عن حديث نجله، الذي استعرض جوانب من مسيرة والده، وكشف عن مواقف ساهمت في تشكيل شخصيته وصناعة رحلته نحو الشهرة والتميز.

الشيخ محمود علي البنا 
الشيخ محمود علي البنا 

وُلد الشيخ محمود علي البنا في ديسمبر عام 1926، ونشأ في أسرة حرصت على تعليمه القرآن الكريم منذ سنواته الأولى، إذ كان ارتباطه بكتاب الله جزءًا من أمنيات أسرته التي رأت فيه مشروع قارئ متميز منذ طفولته.

وبحسب ما رواه نجله، فقد نذر والداه أن يكون خادمًا لكتاب الله، كما كان جده يدعو الله أن يرزقه ولدًا ويهبه للقرآن الكريم، لتبدأ رحلة القارئ الراحل وسط أجواء أسرية مشبعة بحب القرآن والتعلق به.

ولم تكن هذه الأمنيات مجرد كلمات أو دعوات عابرة، بل ارتبطت باهتمام الأسرة بتنشئته على حفظ القرآن وتعلمه، وهو ما أسهم في بناء أساس قوي لمسيرته الدينية، التي أصبحت لاحقًا علامة بارزة في تاريخ التلاوة المصرية.

ومع مرور الوقت، ظهرت موهبته الصوتية مبكرًا، وبدأ المحيطون به يلاحظون قدرته على القراءة بصوت مميز، لتتجه الأنظار إلى الطفل الذي كان يستعد، دون أن يدرك، لرحلة استثنائية ستجعله واحدًا من الأسماء التي ارتبطت بوجدان محبي القرآن الكريم.

كشف نجل الشيخ محمود علي البنا أن والده أتم حفظ القرآن الكريم كاملًا وهو في العاشرة من عمره، في إنجاز يعكس ما امتلكه من قدرة على الحفظ، إلى جانب ما حظي به من رعاية أسرية وتعليم ديني منذ الصغر.

وخلال سنوات دراسته، كان الشيخ الراحل حريصًا على الاستماع إلى كبار القراء، ومتابعة أساليبهم في التلاوة، في محاولة للاستفادة من تجاربهم والتعرف على المدارس المختلفة التي تميز بها قراء القرآن الكريم في مصر.

وكان من بين القراء الذين حرص على الاستماع إليهم الشيخ مصطفى إسماعيل، إذ كان يتابع تلاواته باهتمام، ثم يعود إلى أصدقائه ويحاول تقليد أسلوبه، في مشهد يعكس شغفه المبكر بفنون التلاوة ورغبته في تطوير موهبته.

ولم يكن حفظ القرآن بالنسبة إليه نهاية الطريق، بل كان بداية رحلة طويلة من التعلم والتدريب والاستماع إلى كبار القراء، سعيًا إلى إتقان الأداء واكتساب الخبرة اللازمة للتميز في هذا المجال.

وخلال دراسته في أحد المعاهد الخاصة بمدينة طنطا، قبل التحاقه بالأزهر الشريف، بدأت موهبة الشيخ محمود علي البنا تلفت الأنظار بصورة أكبر، بعدما اكتشف زملاؤه قدرته على تقليد أصوات عدد من كبار القراء.

وروى نجله أن أحد زملائه طلب منه تقليد الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي، ثم طلب منه آخرون تقليد الشيخ أبو العينين شعيشع، قبل أن يطلبوا منه الاستماع إلى صوته الحقيقي في التلاوة.

وبحسب الرواية التي نقلتها سهير جودة، أغمض الشيخ محمود علي البنا عينيه وبدأ في قراءة القرآن الكريم، مستحضرًا أجواء التلاوة التي اعتاد الاستماع إليها، وعندما انتهى وفتح عينيه، فوجئ بأن زملاءه غادروا المكان.

لكن الموقف لم ينته عند هذا الحد؛ إذ طلب منه مدير المعهد، الشيخ حسين معوض، مواصلة القراءة، وأبدى إعجابه بجمال صوته وتميز أدائه.

وكانت هذه الواقعة من المحطات التي كشفت مبكرًا عن قدراته الصوتية، وأكدت أن موهبته لم تكن مجرد قدرة على تقليد كبار القراء، بل امتلك أيضًا صوتًا مميزًا يمكنه من شق طريقه الخاص في عالم التلاوة.

بعد أن لاحظ مدير المعهد تميز صوت الشيخ محمود علي البنا، نصحه بالتوجه إلى الشيخ إبراهيم سلام المالكي، الذي كان له دور مهم في توجيهه وتعليمه أصول القراءات داخل مسجد الأحمدي بمدينة طنطا.

ومثلت هذه المرحلة محطة مهمة في تكوينه العلمي والقرآني، إذ انتقل من مجرد الاستماع إلى كبار القراء ومحاولة محاكاة أساليبهم إلى مرحلة أكثر تخصصًا، تقوم على تعلم أصول القراءات والتعمق في فنون التلاوة.

وارتبط مسجد الأحمدي بحكاية إنسانية مؤثرة في حياة الشيخ الراحل، إذ كانت جدته تزور المسجد وهو لا يزال رضيعًا، وتدعو الله أن يصبح ابنها خادمًا لهذا المكان المبارك.

ومع مرور السنوات، تحقق جانب من هذه الأمنية، بعدما تعلم الشيخ محمود علي البنا القراءات في المسجد، ثم عُين قارئًا للسورة بمسجد السيد البدوي، ليصبح المكان شاهدًا على انتقاله من مرحلة التعلم إلى بداية الحضور الفعلي في عالم التلاوة.

وتعكس هذه الحكاية جانبًا من دور الأسرة والدعاء في مسيرته، إلى جانب أهمية التعليم والتوجيه الذي تلقاه على أيدي المتخصصين في علوم القرآن والقراءات.

ومع اتساع خبرة الشيخ محمود علي البنا في التلاوة، بدأ التفكير في الانتقال إلى القاهرة، حيث كانت العاصمة تمثل آنذاك مركزًا مهمًا للحياة الثقافية والإعلامية، وفرصة أمام أصحاب المواهب للوصول إلى جمهور أوسع.

وأوضح نجله أن الشيخ إبراهيم سلام المالكي نصح والده بالتوجه إلى القاهرة، مؤكدًا له أن العاصمة هي «مصنع النجوم»، في إشارة إلى الفرص التي يمكن أن تتيحها له للانتشار وتحقيق الشهرة.

الشيخ محمود علي البنا 
الشيخ محمود علي البنا 

وكانت هذه النصيحة نقطة تحول في مسيرته، إذ دفعته إلى مغادرة طنطا والتوجه إلى العاصمة، حاملًا معه موهبته القرآنية وطموحه في أن يصبح واحدًا من القراء المعروفين.

وانتقل الشيخ محمود علي البنا إلى القاهرة وهو في التاسعة عشرة من عمره، واستقر في منطقة شبرا، وبدأ خطواته الأولى في بناء اسمه من خلال المشاركة في المناسبات الدينية والقراءة في المساجد والمآتم.

ولم تكن الطريق مفروشة بالنجاح منذ البداية، بل احتاجت إلى الصبر والعمل المستمر، إلى جانب استثمار الفرص المتاحة لإظهار موهبته أمام الجمهور، حتى بدأ اسمه ينتشر تدريجيًا بين محبي التلاوة.

شهدت القاهرة مرحلة جديدة في حياة الشيخ محمود علي البنا، بعدما بدأ يشارك في إحياء المناسبات الدينية، الأمر الذي ساعد على تعريف الجمهور بصوته، وفتح أمامه أبوابًا جديدة للانتشار.

وخلال هذه المرحلة، تعرف على صالح باشا حرب، رئيس جمعية الشبان المسلمين، الذي اختاره قارئًا للجمعية، لتصبح هذه الخطوة واحدة من المحطات المهمة في رحلته المهنية.

وشارك الشيخ الراحل في إحدى الحفلات السنوية التي أقيمت بمناسبة بداية العام الهجري في دار الأوبرا بالعتبة، وكانت الحفلة تُذاع إذاعيًا، وهو ما أتاح له فرصة الاقتراب من المجال الإذاعي والتعرف على طبيعة العمل فيه.

لكن الطريق إلى الإذاعة لم يكن مباشرًا؛ إذ أوضح نجله أن والده لم يُسمح له بالظهور عبر البث الإذاعي في البداية، لعدم اعتماده رسميًا، رغم مشاركته في القراءة قبل بدء البث.

وبعد أيام قليلة من تلك الواقعة، تلقى الشيخ محمود علي البنا خطابًا من الإذاعة يطلب منه التقدم للاختبارات اللازمة لاعتماده، ليبدأ مرحلة جديدة من الاستعداد والاختبار، انتهت باجتيازه الإجراءات المطلوبة والانضمام إلى القراء المعتمدين.

وكانت هذه الخطوة بمثابة بوابة مهمة نحو الانتشار الواسع، بعدما أصبح صوته متاحًا أمام جمهور الإذاعة، التي كانت تمثل آنذاك إحدى أهم وسائل وصول التلاوات القرآنية إلى المستمعين في مختلف أنحاء مصر.

وكشف نجل الشيخ محمود علي البنا عن جانب آخر من بدايات والده في الإذاعة، يتعلق بتحديد راتبه الشهري عند ستة جنيهات، وهو المبلغ الذي أثار اعتراض عدد من كبار القراء، بسبب حصولهم على القيمة نفسها.

وبحسب الرواية، تسبب هذا الأمر في أزمة داخل الإذاعة، في ظل اعتراض بعض القراء على مساواة الراتب الذي يحصل عليه القارئ الجديد بما يتقاضاه أصحاب الخبرة والشهرة.

وزادت طبيعة العمل الإذاعي في ذلك الوقت من صعوبة الموقف، إذ كان البث المباشر يمثل جزءًا أساسيًا من طبيعة العمل، ولم تكن التسجيلات المتاحة بديلًا يمكن الاعتماد عليه بسهولة لتجاوز الظروف الطارئة.

وفي ظل هذه الظروف، تواصلت الإذاعة مع الشيخ محمود علي البنا للاستعانة به في رفع الأذان وتقديم تلاوات القرآن الكريم، لتبدأ مرحلة مهمة في علاقته بالمستمعين، وتصبح تلاواته متاحة أمام قطاع أوسع من الجمهور.

ومن أكثر الحكايات لفتًا للانتباه في مسيرة الشيخ محمود علي البنا، ما رواه نجله بشأن سرعة انتشار اسمه بعد ظهوره عبر الإذاعة.

فبحسب الرواية التي نقلتها سهير جودة، استطاع الشيخ الراحل تحقيق انتشار واسع خلال ثلاثة أو أربعة أيام فقط، بعدما استمع الجمهور إلى صوته عبر الإذاعة، وبدأ اسمه يتردد بين محبي القرآن الكريم.

وكان الانتشار الإذاعي عاملًا حاسمًا في انتقاله من نطاق الجمهور المحلي الذي عرفه خلال المناسبات الدينية والمساجد إلى جمهور أوسع داخل مصر، في وقت كانت فيه الإذاعة تؤدي دورًا رئيسيًا في تشكيل الذائقة الفنية والدينية لدى المستمعين.

ومع تزايد الاهتمام بصوته، دخل الشيخ محمود علي البنا مرحلة جديدة من مسيرته، أصبح خلالها من القراء الذين ارتبطت تلاواتهم بالمناسبات الدينية وبالاستماع اليومي إلى القرآن الكريم.

وتكشف هذه الحكاية عن أهمية الجمع بين الموهبة والفرصة المناسبة؛ فالصوت المتميز كان أساس مسيرته، بينما ساعدت الإذاعة على وصوله إلى ملايين المستمعين، وترسيخ مكانته في عالم التلاوة.

ورغم أن اسمه ارتبط في أذهان الجمهور بالتلاوة والخشوع وجمال الصوت، فإن حياة الشيخ محمود علي البنا شهدت جانبًا مختلفًا يتعلق بحبه للرياضة وممارسته الملاكمة والمصارعة خلال فترة وجوده في جمعية الشبان المسلمين.

وكشف نجله أن والده لم يكن بعيدًا عن الأنشطة الرياضية، بل مارس ألعابًا تحتاج إلى القوة واللياقة البدنية، وهو ما يقدم صورة مختلفة عن شخصية القارئ الراحل خارج أجواء التلاوة.

وتكشف هذه التفاصيل عن تعدد جوانب شخصيته، إذ جمع بين اهتمامه بالقرآن الكريم وممارسته الرياضة، في صورة تبتعد عن التصور التقليدي الذي قد يحصر حياة كبار القراء في الجانب الديني وحده.

ولم يمنع شغفه بالتلاوة اهتمامه بالرياضة، بل ظلت هذه التجربة جزءًا من ذكرياته الشخصية، التي استعادها نجله ضمن الحكايات التي تكشف جوانب غير معروفة من حياة والده.

ومن بين المواقف التي رواها نجل الشيخ محمود علي البنا، واقعة جمعته بعدد من الإنجليز خلال إحدى الليالي في منطقة الفجالة، بعدما تسبب اثنان منهم في إثارة الفوضى داخل سرادق كان الشيخ يقرأ فيه القرآن الكريم.

وأوضح نجله أن والده أنهى تلاوته بقوله: «صدق الله العظيم»، قبل أن يتدخل للتعامل مع الموقف الذي شهد حالة من الفوضى، ثم يعود بعد ذلك لاستكمال القراءة.

وتكشف هذه الواقعة عن جانب مختلف من حياة القارئ الراحل، بعيدًا عن أجواء التلاوة التي عرفه بها الجمهور، كما تعكس أن سيرته الشخصية تضمنت مواقف متنوعة لم تقتصر على رحلته المهنية أو علاقته بالقرآن الكريم.

وتظل مثل هذه الحكايات جزءًا من الذاكرة الإنسانية التي تحتفظ بها أسر كبار الشخصيات، وتمنح الجمهور فرصة للتعرف على تفاصيل من حياتهم اليومية، بعيدًا عن الصورة التي تظهر لهم على المنابر أو عبر الإذاعة.

ومن أكثر المحطات الإنسانية تأثيرًا في حياة الشيخ محمود علي البنا، علاقته بوالديه وحرصه على رضاهما، إذ كان يقدر دورهما في مسيرته، ويرى أن دعاءهما كان من العوامل المهمة التي رافقته في طريق النجاح.

واستعادت الإعلامية سهير جودة، ضمن الحكايات التي نشرتها، موقفًا مؤثرًا يتعلق بوالدته، التي عبّرت عن سعادتها عندما رأته يقرأ القرآن الكريم في مسجد السيد البدوي بمدينة طنطا.

ووفقًا لما رواه نجله، قالت له والدته إنها رأته في المكان الذي طالما تمنته له، في إشارة إلى الأمنية التي ارتبطت بزيارات الأسرة للمسجد ودعواتها بأن يصبح ابنها من خدام القرآن الكريم.

وكان هذا الموقف بمثابة لحظة تحقق لأمنية قديمة، امتزجت فيها فرحة الأم بنجاح ابنها مع شعورها بأن الدعاء الذي لازم سنوات طفولته بدأ يتحول إلى واقع ملموس.

وتكشف هذه الحكاية عن الدور الذي لعبته الأسرة في مسيرة الشيخ الراحل، ليس فقط من خلال تشجيعه على حفظ القرآن الكريم، وإنما أيضًا عبر الدعم المعنوي والدعاء المستمر، اللذين ظلا حاضرين في ذاكرته ومسيرته.

وتحمل سيرة الشيخ محمود علي البنا العديد من الدروس الإنسانية والمهنية، إذ بدأت رحلته وسط دعوات أسرته ونذر والديه للقرآن الكريم، ثم تدرج في حفظ كتاب الله وتعلم القراءات، قبل أن ينتقل من طنطا إلى القاهرة بحثًا عن فرصة أوسع لإظهار موهبته.

اقرأ أيضاً.. هل يقود ترامب حملة ممنهجة ضد المحكمة الجنائية الدولية؟ نافي بيلاي تفجر مفاجأة

تم نسخ الرابط