رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

نصر نعيم يكتب: الخلاف على الدولة.. والخلاف مع الدولة

تفصيلة

ثمة اختلاف كبير وفرق شاسع بين أن تختلف مع الدولة، وأن تختلف على الدولة، الأول حق طبيعي في المجتمعات الصحية؛ بل إن الدولة التي لا تحتمل النقد، ولا تراجع سياساتها، تتحول بمرور الوقت إلى كيان مغلق على نفسه، يفقد القدرة على تصحيح أخطائه وهنا تموت الدول واقفة وتشيخ قبل أوانها كما تشيخ  الأسود الضارية.

أما الثاني، أي أن يتحول الخلاف من خلاف حول السياسات والقرارات والأشخاص إلى خصومة مع فكرة الدولة ذاتها، فهو شيء آخر تمامًا، مثل أن تختلف مع أبيك في الرأي والمصروف والتعليم والخطوبة والزواج، وبين أن تختلف عليه وتجحده حقه وتسلبه قيمته وقامته وقدسيته كأب، ففي الأولى أنت «مختلف» مع أبيك والثانية أنت «عاق» له وبين (الاختلاف الصحي والعقوق الآثم» ثمة مساحة واسعة بين الأقواس من السرديات والجدل والفلسفة والممكن والمحظور والمتاح والمستحيل.. هنا ينبغي أن نتوقف.

فالدولة ليست الحكومة وحدها، وليست الرئيس أو الوزير أو البرلمان أو الجهاز الإداري، الدولة هي الوطن، النظام، الأرض، الحدود، المؤسسات، الجيش، الشرطة، القضاء، الاقتصاد، المجتمع، وذاكرة الناس وتراث الأقدمين، الحضارة، عصارة الأجيال التي قضت، ومصالح الأجيال المقبلة، ولذلك فإن انتقاد حكومة لا يعني كراهية الدولة، ومعارضة قرار لا تعني الرغبة في إسقاط النظام العام، ورفض سياسة اقتصادية لا يعني الدعوة إلى الفوضى.

لكن المشكلة تبدأ عندما يصنف كل خلاف سياسي باعتباره معركة هدم ومخطط تخريب، وبالمثل تبدأ المشكلة من الجهة الأخرى عندما يُعاد تعريف الدولة باعتبارها خصمًا دائمًا للشعب، ويصبح كل ما يصدر عنها مؤامرة، وكل مؤسسة عدوًا، بين هذين التطرفين تضيع الحقيقة.

لكن يجب النظر بعين المسئولية الوطنية والمصلحة العليا ومعطيات الأمن الاستراتيجي إلى أن مصر لا تعيش في جزيرة معزولة بعيدة عن الخطر، بل العكس صحيح تماما، فحدودها ومحيطها الاستراتيجي يشهد أزمات ممتدة في غزة والسودان وليبيا والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، فضلًا عن تطورات الشرق الأوسط الأوسع والأمن المائي وأمن الطاقة والممرات البحرية، وهذه ليست قراءة سياسية مصرية فقط؛ فالدولة نفسها تضع أمن الحدود، والبحر الأحمر، والأمن المائي، والأمن السيبراني، وأمن الطاقة ضمن أولويات الأمن القومي.

السؤال الأهم هنا هل مصر تواجه خطرا أمنيا إقليميا فقط؟.

إذا أدرنا زاوية عدسة المنظار الوطني لليسار قليلا سنجد أن المخاطر ليست أمنية فقط، فصندوق النقد الدولي أشار على سبيل المثال في تقييمه الصادر في يوليو 2026 إلى أن استمرار التوترات الإقليمية يمكن أن يضغط على الاستثمار الأجنبي، وسلاسل الإمداد، وتدفقات رأس المال، وأسعار الطاقة، وتكاليف الاقتراض، في الوقت الذي تواجه فيه مصر أصلًا تحديات داخلية مرتبطة بالتمويل والديون والإصلاح الاقتصادي، يجانب تصريحات مسئولين مصريين أن الوضع صعب بسبب الأزمات العالمية والإقليمية وتصريحات رئيس شعبة المواد البترولية الأخيرة أن (زيادة في أسعار المحروقات قادمة لا محالة) وهو يعني تباعا ارتفاع كل أسعار السلع والخدمات مع ارتفاع تكلفة التشغيل والنقل، بمعني أخر الحرب التي تقع على بعد مئات الكيلومترات قد تصل إلى المواطن المصري في صورة أخرى (سعر وقود، تضخم، سياحة، تحويلات، استثمار، حركة قناة السويس، أو ضغط على العملة)، وهنا تكمن خطورة اللحظة.

لكن هل مصر «مستهدفة»؟.. السؤال يستحق إجابة أكثر نضجًا من نعم أو لا.

نعم، مصر موجودة داخل دائرة مصالح وصراعات وضغوط استراتيجية حقيقية؛ موقعها الجغرافي، وقناة السويس، وحدودها مع بؤر نزاع، وثقلها السكاني والسياسي، وأهميتها في القضية الفلسطينية، وعلاقتها بأفريقيا والبحر الأحمر، كلها تجعل استقرارها ذا أهمية إقليمية ودولية كبيرة، لكن هذا شيء، والقول بوجود مخطط شامل ومحدد لهدم مصر من الداخل شيء آخر يحتاج إلى «لحظة منطق»، فالسياسة الدولية لا تعمل كغرفة واحدة يصدر عنها خطة واحدة لإسقاط دولة، ولست مع استبعاد «فرضية المؤامرة»، لكن لأ أؤيد فكرة «الإسقاط الشامل»

في المقابل أميل للسيناريو الأقرب للمنطق للمشهد الحالي حيث هناك أطراف متعددة لها مصالح متعارضة، وأزمات حقيقية، وأخطاء داخلية، وضغوط اقتصادية، وحروب معلومات، ومحاولات تأثير، وحسابات إقليمية؛ ثم تتفاعل هذه العناصر جميعًا بطريقة قد تنتج أزمة أكبر من مجموع أجزائها، ولهذا فإن التحذير من الخطر لا ينبغي أن يتحول إلى «عقيدة» تقول إن كل شيء مؤامرة، كما أن رفض نظرية المؤامرة لا ينبغي أن يتحول إلى سذاجة تقول إن لا أحد يحاول أن يؤذيك.

الحقيقة غالبًا تقع في المنطقة الرمادية والأكثر تعقيدا بين زمن مستحدث صارت فيه المعلومة سلاحًا بينما في الماضي كان إسقاط دولة يحتاج إلى جيش يعبر الحدود، اليوم يمكن للأزمات أن تبدأ من شاشة، خبر كاذب، فيديو مجتزأ، صورة قديمة يعاد تقديمها باعتبارها حدثًا جديدًا، حساب مجهول يضخم الغضب، شائعة اقتصادية تشعل الذعر، مقطع حقيقي يوضع في سياق كاذب، حسابات متعددة تعيد الرسالة نفسها حتى تبدو وكأنها رأي عام، وهنا تغيرت طبيعة المعركة، وتزددا مساحة الشك في كل شيء، تحتاج إلى المزيد من المناعة العقلية بين قوسين (الوعي)

فالفضاء المعلوماتي يمكن أن يكون مجالًا للتعبير والمحاسبة، لكنه يمكن أيضًا أن يكون مجالًا للتضليل والاستقطاب والتلاعب، والخطر الحقيقي ليس في أن ينتقد المواطن دولته على منصة اجتماعية؛ الخطر يبدأ عندما يصبح الكذب أسرع من التحقق، والغضب أسرع من التفكير، والتحريض أسرع من القانون، وفي المقابل، فإن مواجهة التضليل لا تعني إغلاق المجال العام أو تجريم النقد، لأن المجتمع الذي لا يستطيع التعبير عن مشكلاته صراحة يترك مشكلاته تتراكم تحت السطح.

نهاية الحديث .. لا تتركوا للشيطان بابًا فالاستقرار لا يُبنى فقط بالأمن، كما أن الحرية لا تُبنى بالفوضى وسنام الأمر كله (حماية الدولة فرض عين، لكن معارضة الحكومة لا تعني هدم الدولة)، وبين الجملتين بالضبط توجد مساحة الوطن اسمه مصر.

تم نسخ الرابط