من سيناء إلى باب المندب.. كيف حاصرت البحرية المصرية إسرائيل خلال حرب أكتوبر؟
في إطار احتفالات مصر والقوات المسلحة بالذكرى الـ53 لانتصارات السادس من أكتوبر، تبرز بطولات القوات البحرية المصرية ودورها المحوري في إدارة المعركة على امتداد مسارح العمليات البحرية، سواء في البحرين المتوسط والأحمر، أو عبر تنفيذ مهام استراتيجية استهدفت خطوط المواصلات البحرية الإسرائيلية والموانئ والمنشآت الساحلية.
ولم يقتصر دور البحرية المصرية خلال حرب أكتوبر 1973 على تأمين السواحل وحماية القوات البرية، وإنما امتد إلى تنفيذ عمليات هجومية وتأمينية معقدة، والمساهمة في دعم أعمال قتال الجيوش الميدانية في سيناء، فضلًا عن فرض حصار بحري على إسرائيل عبر إغلاق مضيق باب المندب، بما أدى إلى التأثير على حركة الإمدادات المتجهة إلى ميناء إيلات.
بدأت القوات البحرية المصرية استعداداتها المكثفة قبل اندلاع العمليات العسكرية، حيث اعتبارًا من 27 سبتمبر 1973 انتشرت نحو 50 قطعة بحرية مصرية في البحرين المتوسط والأحمر، ضمن ترتيبات هدفت إلى تنفيذ المهام الموكلة إليها مع بدء المعركة.
كما وصلت مجموعة بحرية تضم مدمرات وفرقاطات وغواصات إلى منطقة مضيق باب المندب، تحت مظلة مساندة اليمن الجنوبية، لتكون هذه القوات في موقع يسمح لها بتنفيذ مهامها الاستراتيجية بمجرد اندلاع العمليات.
ومع بدء حرب السادس من أكتوبر، أُعلن البحر الأحمر حتى خط عرض 21 شمالًا منطقة عمليات، وهو ما منح القوات البحرية المصرية مساحة واسعة للتحرك وتنفيذ مهامها ضد خطوط الملاحة والإمداد المرتبطة بإسرائيل.
كان من أبرز المهام التي اضطلعت بها القوات البحرية المصرية خلال الحرب، معاونة القوات البرية التي كانت تخوض معاركها على الجبهة الشرقية.
ونفذت البحرية مهام دعم بالنيران، إلى جانب تأمين جانب القوات البرية المتقدمة بمحاذاة الساحل، بما ساهم في توفير الحماية اللازمة للقوات المشاركة في عمليات العبور والتقدم داخل سيناء.
كما نفذت القوات البحرية عمليات إبرار بحري لعناصر من القوات الخاصة على الساحل الشمالي لسيناء، في إطار تكامل العمليات بين أفرع القوات المسلحة المختلفة، وتوزيع المهام بما يخدم الهدف الرئيسي للمعركة.
كان إغلاق مضيق باب المندب واحدًا من أبرز المهام الاستراتيجية التي نفذتها القوات البحرية المصرية خلال حرب أكتوبر.
فقد فرضت القوات البحرية سيطرتها على المضيق، وبدأت في تنفيذ عمليات الزيارة والتفتيش واعتراض السفن التجارية التي تتحرك في المنطقة، بهدف منع السفن المتجهة إلى ميناء إيلات الإسرائيلي من الوصول إليه.
وأدى ذلك إلى تعطيل حركة الملاحة المرتبطة بالميناء، وحرمان إسرائيل من أحد مسارات الإمداد البحري عبر البحر الأحمر، وهو ما مثل ضغطًا عسكريًا واقتصاديًا على الجانب الإسرائيلي طوال فترة العمليات.
لم تتوقف عمليات البحرية المصرية عند مضيق باب المندب، وإنما امتدت إلى استهداف خطوط المواصلات البحرية الإسرائيلية في البحرين المتوسط والأحمر.
ونفذت الوحدات البحرية المصرية مهام التعرض لخطوط الملاحة على مسافات بعيدة، مستفيدة من قدراتها في تنفيذ العمليات البحرية والمناورة، وهو ما أدى إلى تأثيرات عسكرية واقتصادية ومعنوية على إسرائيل وقواتها المسلحة.
وخلال الفترة من 6 إلى 21 أكتوبر 1973، تمكنت القوات البحرية المصرية من اعتراض نحو 200 سفينة محايدة ومعادية، في إطار إجراءات السيطرة على مسرح العمليات البحري ومنع وصول الإمدادات إلى القوات الإسرائيلية عبر البحر الأحمر.
ومن الوقائع المرتبطة بعمليات الحصار البحري، اعتراض ناقلة بترول إسرائيلية لم تمتثل لتعليمات البحرية المصرية بالابتعاد عن الخط الشمالي الممتد بين مدينة جدة السعودية وبورتسودان السودانية، باعتبار المنطقة ضمن مسرح العمليات.
وعلى إثر ذلك، قامت الغواصات المصرية باعتراض الناقلة وإغراقها باستخدام الطوربيدات، لتتوقف حركة الملاحة المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر بصورة كاملة منذ 7 أكتوبر، وفق الرواية الواردة في المادة التاريخية.
خاضت القوات البحرية المصرية كذلك مجموعة من العمليات الهجومية ضد الموانئ والمراسي والأهداف الساحلية الإسرائيلية.
واعتمدت هذه العمليات على استخدام الصواريخ والمدفعية، إلى جانب أسلوب اتسم بسرعة الحركة وخفة المناورة وتوفير كثافة نيرانية مؤثرة، بما مكن الوحدات البحرية من تنفيذ مهامها الهجومية ضد الأهداف المحددة.
وكانت هذه العمليات جزءًا من استراتيجية أوسع هدفت إلى الضغط على المنشآت الساحلية وخطوط الإمداد، بالتزامن مع العمليات البرية والجوية التي كانت تدور على جبهات القتال الرئيسية.
في الوقت نفسه، تولت القوات البحرية تأمين النطاق التعبوي للقواعد البحرية المصرية في البحرين المتوسط والأحمر.
وكان لهذا التأمين دور مهم في إحباط محاولات العدو للتدخل ضد الوحدات البحرية المصرية العاملة على المحاور الساحلية، فضلًا عن الحفاظ على حركة الملاحة من وإلى الموانئ المصرية طوال فترة العمليات.
وبذلك لم تكن البحرية المصرية تعمل في إطار هجومي فقط، بل جمعت بين حماية القواعد والمنشآت وخطوط الملاحة المصرية، وبين تنفيذ عمليات هجومية ضد الأهداف وخطوط الإمداد الإسرائيلية.
امتدت العمليات البحرية إلى استخدام وحدات بث الألغام، التي نجحت في إغلاق مدخل خليج السويس، ضمن خطة استهدفت الحد من قدرة إسرائيل على الاستفادة من الممرات البحرية في المنطقة.
كما نفذت عناصر الضفادع البشرية عمليات ضد منشآت حيوية، من بينها منطقة بلاعيم، حيث استهدفت ودمرت حفارًا ضخمًا، في إطار العمليات التي استهدفت المنشآت المرتبطة بإنتاج ونقل البترول.
وشملت العمليات كذلك قصف منطقة رأس سدر على خليج السويس بالصواريخ، الأمر الذي أدى إلى تعطيل عمليات شحن البترول عبر خليج السويس باتجاه ميناء إيلات.
كان تعطيل إمدادات البترول أحد الأهداف الاستراتيجية المهمة للعمليات البحرية المصرية.
فإسرائيل كانت تعتمد، وفق المعطيات المرتبطة بمسرح العمليات آنذاك، على البترول المستخرج من الآبار المصرية في خليج السويس، إلى جانب البترول المستورد عبر البحر.
ومن هنا استهدفت العمليات البحرية المصرية خطوط نقل وشحن البترول والمنشآت ذات الصلة، بهدف حرمان إسرائيل وقواتها المسلحة من الاستفادة من هذه الإمدادات خلال الحرب.
وبالتزامن مع العمليات الهجومية، نجحت القوات البحرية المصرية في فرض سيطرة عملياتية على قطاعات واسعة من مسرح العمليات البحرية، بدءًا من السواحل المصرية، مرورًا بالساحل الشرقي للبحر المتوسط، وصولًا إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وساهمت هذه السيطرة في تأمين أجناب القوات المصرية التي كانت تخوض معارك التحرير في سيناء، ومنع البحرية الإسرائيلية من الحصول على حرية حركة تسمح لها بالتأثير في القوات المصرية أو خطوط الإمداد.
اقرأ أيضاً.. لقاء سري في تركيا.. أول محادثات بين سوريا وحزب الله منذ سقوط بشار الأسد