رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

نصر نعيم يكتب: لا حرب ولا حياد.. كيف أدارت مصر أخطر سنوات الإقليم؟

تفصيلة

لم تكن مصر تقف خارج النار طوال السنوات الماضية، لكنها نجحت في ألا تصبح وقوداً لها... هذه هي القصة التي تستحق أن تُروى بعيداً عن صخب المزايدات السياسية، وغرف «الهجوم الدائم» وبعيداً أيضاً عن القراءة السطحية، التي تختزل الأمن القومي في تحريك الجيوش أو إطلاق التصريحات النارية والتلويح في الفراغ.

مصر كانت ولا تزال في قلب واحدة من أكثر مناطق العالم اشتعالاً على حدودها حرب في غزة، وفي الغرب أزمة ليبية مفتوحة، وفي الجنوب حرب سودانية بالوكالة تهدد وحدة وسيادة الدولة وتفتح الباب أمام موجات نزوح واضطرابات أمنية، وفي الشرق والبحر الأحمر صراع على الممرات البحرية وموازين القوة، وفوق ذلك كله أزمة مياه لا تملك القاهرة رفاهية التعامل معها كملف دبلوماسي عادي.

رغم كل ما سبق لم تدخل مصر في حرب إقليمية شاملة، ولم تتحول إلى طرف مباشر في صراعات المنطقة، ولم تسمح بأن تصبح أراضيها منصة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى، رغم محاولات دفعها دفعا إلى «غابة العميان» .. لكن كيف حدث ذلك؟.. الإجابة ببساطة: لأن الدولة المصرية قرأت المشهد باعتباره حقل ألغام، وليس مباراة لإثبات القوة، فمصر لم تهرب من الأزمات.. بل حاولت منعها من الوصول إلى أبوابها.. هناك فرق كبير بين أن تنأى دولة بنفسها عن الإقليم، وبين أن تنخرط في أزماته دون أن تغرق فيها.

القاهرة اختارت الطريق الأصعب وهي أن تكون حاضرة سياسياً ودبلوماسياً، لكنها حذرة عسكرياً؛ وأن تدافع عن مصالحها، دون أن تحول كل أزمة إلى معركة؛ وأن تتحدث مع الجميع، دون أن تصبح تابعاً لأحد، وهذا يفسر لماذا تحركت مصر في ملفات متزامنة ومتشابكة مثل غزة، السودان، ليبيا، البحر الأحمر، إيران، لبنان والقرن الأفريقي.

ففي يونيو 2026، كانت القاهرة تنسق مع السعودية وتركيا حول غزة والسودان وليبيا والملف الإيراني والقرن الأفريقي، بما يعكس محاولة لبناء شبكة اتصالات إقليمية تمنع انفجار الأزمات بدلاً من انتظار الانفجار ثم التعامل مع نتائجه، وفي ملف السودان، ظلت الرسالة المصرية ثابتة «وحدة الدولة، سلامة أراضيها، الحفاظ على مؤسساتها، ورفض تفككها إلى كيانات متصارعة»، وهنا تحديداً تكمن إحدى أهم نقاط الأمن القومي المصري.

فالسودان بالنسبة إلى مصر ليس خبراً في نشرة أخبار والسودان هو الجنوب، وهو النيل، وهو العمق الاستراتيجي، وهو الحدود، وهو أيضاً خط الدفاع الأول عن أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ولذا فإن التعامل المصري مع الأزمة السودانية لم يكن قائماً على منطق «اختيار طرف» بقدر ما كان قائماً على محاولة منع انهيار الدولة نفسها.

في ليبيا درس آخر في حساب تكلفة الحرب فعلى الحدود الغربية، كانت المعادلة أكثر تعقيداً، حيث ليبيا دولة غنية بالسلاح، واسعة المساحة، هشة ومفتوحة على تدخلات إقليمية ودولية متعددة، وكان بإمكان مصر أن تنزلق إلى مواجهة طويلة ومفتوحة تحت ذرائع منطقية للغاية في حماية أمنها القومي ومنع تسلل العناصر التخريبية عبر حدود ممتدة في قلب الصحراء، لكن القاهرة سعت، بالتوازي مع تأمين حدودها ومصالحها، إلى الدفع باتجاه توحيد المؤسسات الليبية وإجراء تسوية سياسية ليبية.

وفي أغسطس 2026، جددت القيادة المصرية موقفها الداعم لوحدة ليبيا وتوحيد مؤسساتها وإجراء الانتخابات، وهنا تظهر قاعدة مصرية شديدة الأهمية وليس كل خطر يُعالج بالحرب، وليس كل تهديد يحتاج إلى احتلال الأرض حتى تتم مواجهته، فأحياناً يكون أفضل انتصار استراتيجي هو أن تمنع الحرب من الوصول إليك أصلاً.

من الغرب إلى الشرق كان الاختبار الأكبر  حيث تقف مأساة غزة كخطر مصلوب على الحدود المصرية، وقنبلة على خط تماس مباشر مع الأمن القومي المصري، وتحمل في داخلها مخاطر النزوح، والتصفية السياسية للقضية الفلسطينية، واحتمالات تغيير التركيبة الأمنية والجغرافية في المنطقة، ولهذا كانت القاهرة حاضرة بقوة في جهود وقف الحرب والتوصل إلى ترتيبات سياسية وإنسانية، وفي الوقت نفسه تمسكت برفض تهجير الفلسطينيين من أرضهم.

من شطط حريق غزة اندلع الصراع الإيراني وما ارتبط به من تهديدات للممرات البحرية والطاقة والتجارة وضع المنطقة كلها أمام احتمال تحول الصراع إلى حرب إقليمية واسعة، وفي هذه اللحظة تحديداً تظهر أهمية القرار المصري بعدم الانجرار إلى منطق المحاور.

القاهرة دعمت جهود خفض التصعيد والحلول السياسية، وشددت على أمن دول الخليج وحرية الملاحة، بدلاً من التعامل مع الأزمة باعتبارها فرصة للانحياز في حرب كبرى، وهذا ليس حياداً بالمعنى البسيطـ لكنه انحياز إلى بقاء الدولة المصرية خارج دائرة الاستنزاف المباشر.

ورغم نجاح القيادة المصرية في تحصين الدولة المصرية من عدوى الصراعات إلا أن مصر مصر دفعت بالفعل ثمناً اقتصادياً كبيراً نتيجة اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، فقناة السويس دفعت الثمن رغم أن مصر لم تدخل الحرب، فالابتعاد عن الحرب لا يعني أن الحرب لا تصيبك هذا درس أخر، وقد أشارت الرئاسة المصرية في يوليو 2026 إلى خسائر تجاوزت 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس نتيجة الهجمات على السفن في باب المندب، فضلاً عن ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء واضطراب سلاسل الإمداد وموجات النزوح.

إذن، القاهرة لم تكن جالسة في غرفة آمنة تراقب الحريق كانت واقفة على حافته، لكنها اختارت ألا تضيف حريقاً جديداً إلى المنطقة، والأمن القومي المصري صار أوسع من الحدود ربما يكون هذا هو التغيير الأهم في مفهوم الأمن القومي المصري خلال هذه المرحلة، لذلك تبدو السياسة المصرية في السنوات الأخيرة قائمة على قواعد ثلاث: القوة للردع، والدبلوماسية لمنع الحرب، والاقتصاد لتحمل الصدمات.

القوة وحدها لا تكفي.. والدبلوماسية وحدها لا تكفي.. والاقتصاد وحده لا يكفي والجمع بين الثلاثة يمنح الدولة مساحة مناورة وهذه المساحة هي التي سمحت لمصر بأن تقول «لا» في لحظات كان فيها كثيرون يريدون منها أن تقول «نعم» والدخول في تحالفات صفرية واثبات حضور في معسكرات بعينها فتاريخ مصر أكبر من كل تحالف وحضارتها أبعد ما تكون عن التوجيه لا عدو دائم ولا صديق دائم لكن فقط مصالح عليا ومنفعة مشتركة، بكل فخر نقولها مصر نجت من حلقة النار لكن لهيبها مازال يلفح من بعيد.

تم نسخ الرابط