مايا مرسي: العمالة المنزلية ليست على هامش سوق العمل
أكدت الدكتورة مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي، أن تنظيم العمالة المنزلية يمثل خطوة أساسية نحو توسيع نطاق الحماية الاجتماعية وترسيخ مفهوم العمل اللائق، مشيرة إلى أن الدولة تستهدف الانتقال بهذه المهنة من دائرة العمل غير المنظم إلى سوق أكثر وضوحًا واستقرارًا، بما يضمن حقوق العامل والأسرة في الوقت نفسه.
جاء ذلك خلال مشاركة وزيرة التضامن الاجتماعي في الجلسة الافتتاحية لورشة العمل التي تنظمها وزارة العمل تحت عنوان «نحو إطار تشريعي وتنفيذي للعمل اللائق للعمال المنزليين في مصر»، بحضور حسن رداد وزير العمل، وإيريك أوشلان مدير مكتب منظمة العمل الدولية بالقاهرة، والسفيرة نائلة جبر، عضو مجلس النواب ورئيسة اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية، إلى جانب عدد من الشخصيات العامة والخبراء.
وقالت مايا مرسي إن أهمية هذا الحوار تنبع من ارتباطه بمهنة موجودة بصورة يومية داخل ملايين الأسر، إلا أن طبيعة العمل المنزلي، الذي يتم في الغالب داخل المنازل وبعيدًا عن الرقابة المؤسسية، جعلت العاملين به لفترات طويلة خارج نطاق الأطر التقليدية للحماية والتنظيم.
وأوضحت أن العمالة المنزلية تقدم خدمات أساسية تساعد الأسر على إدارة شؤون حياتها اليومية، وهو ما يستوجب التعامل معها باعتبارها علاقة عمل متكاملة، تقوم على حقوق وواجبات واضحة، وليس مجرد اتفاقات غير رسمية بين العامل والأسرة.
وشددت وزيرة التضامن على ضرورة إخراج العمالة المنزلية من دائرة «العمل غير المرئي» إلى سوق عمل منظم ومحمي، بحيث يتم الانتقال من الاتفاقات الشفهية إلى العقود، ومن المهارات غير الموثقة إلى التدريب والاعتماد، ومن العمل غير الرسمي إلى التسجيل، إلى جانب توفير مظلة للتأمين والحماية الاجتماعية.
كما أكدت أهمية تنظيم وكالات تشغيل العمالة المنزلية وإخضاعها للقواعد والقوانين، وإنشاء قواعد بيانات دقيقة تساعد على فهم احتياجات السوق ومتابعة حركة التشغيل، بما يحقق قدرًا أكبر من الشفافية ويحمي مختلف أطراف العلاقة.
وأشارت مايا مرسي إلى أن منظمة العمل الدولية تقدر، وفق تقريرها الصادر عام 2025 حول التجارب الدولية في حماية حقوق العمال المنزليين، عدد العاملين في هذا القطاع عالميًا بنحو 75.6 مليون عامل وعاملة ممن تبلغ أعمارهم 15 عامًا فأكثر، بما يمثل نحو 2.3% من إجمالي العمالة على مستوى العالم، بينما تشكل النساء نحو 76.2% من إجمالي العمالة المنزلية.
ولفتت إلى أن منظمة العمل الدولية اعتمدت اتفاقية العمل اللائق للعمال المنزليين رقم 189 والتوصية رقم 201، انطلاقًا من مبدأ أساسي مفاده أن العمل الذي يتم داخل المنزل يظل عملًا، وأن الشخص الذي يؤديه عامل له حقوق وعليه واجبات.
وأكدت الوزيرة أن التحرك المصري في هذا الملف يأتي ضمن رؤية أوسع تستهدف الحماية والدمج والانتقال من الاقتصاد غير الرسمي إلى الاقتصاد الرسمي، موضحة أن الملامح الرئيسية لمشروع قانون تنظيم حقوق وواجبات العمالة المنزلية تعكس هذا الاتجاه.
ويتضمن مشروع القانون المقترح وضع إطار منظم للعلاقة بين أطراف العمل المنزلي، مع حظر العمل الجبري والتمييز، إلى جانب مشاركة الوزارات والجهات الوطنية المعنية في وضع السياسة العامة الخاصة بتنظيم العمل المنزلي ومتابعة منظومة التدريب والتشغيل.
كما يركز المشروع على تنظيم عمليات التدريب، وإتاحة الحصول على ترخيص مزاولة المهنة وقياس مستوى المهارة دون مقابل، فضلًا عن إنشاء سجلات لراغبي العمل والأسر الراغبة في الاستعانة بالعمالة المنزلية.
ويطرح الإطار المقترح كذلك إنشاء منصة إلكترونية تربط بين العمال والأسر، وتوفر المعلومات المتعلقة بالحقوق والواجبات ونماذج العقود، بما يسهم في تنظيم سوق العمل وتقليل فرص الاستغلال والنزاعات.
وأكدت مايا مرسي أن وجود عقد واضح يمثل حماية مشتركة للعامل وصاحب العمل، بينما يسهم التدريب في رفع مستوى الخدمة، ويمنح الترخيص المهنة قدرًا أكبر من التنظيم والاعتراف، في حين توفر المنصة الإلكترونية قناة أكثر شفافية لتنظيم العلاقة بين العرض والطلب.
وأوضحت أن وزارة التضامن الاجتماعي تنظر إلى ملف العمالة المنزلية أيضًا من منظور الحماية الاجتماعية والأسرة واقتصاد الرعاية، نظرًا لارتباط هذه المهن بصورة مباشرة برعاية الأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، فضلًا عن الخدمات المقدمة للأسر والرعاية المنزلية.
وأضافت أن التغيرات الديموغرافية والاجتماعية، إلى جانب تنامي الاحتياج إلى خدمات الرعاية، تجعل تطوير مهارات العاملين وتنظيم هذه المهن عنصرًا مهمًا في بناء منظومة رعاية حديثة تتمتع بالكفاءة والاستدامة.
وشددت وزيرة التضامن على أن تنظيم العمالة المنزلية يمكن أن يحقق عدة أهداف متوازية، من بينها حماية العامل، وطمأنة الأسرة، وتحسين جودة الخدمة، وتنظيم السوق، وتعزيز اقتصاد الرعاية، وتحويل مهنة ظلت لفترات طويلة خارج نطاق التنظيم إلى عمل معترف به ومحمي وله إطار قانوني واضح.
وأكدت أن تدريب العامل وتوثيق مهاراته وفتح مسار رسمي أمامه للحصول على فرص العمل لا يحقق مصلحة العامل وحده، بل ينعكس أيضًا على الأسرة من خلال تحسين جودة الخدمات التي تحصل عليها، كما أن تنظيم وكالات الاستخدام يضمن حماية طرفي العلاقة، بينما يسهم وجود العقود وقواعد البيانات والمنصة الإلكترونية في الحد من النزاعات وتحويل السوق من النشاط غير الرسمي إلى سوق يمكن متابعته وتطويره.
وثمنت مايا مرسي التعاون بين مختلف الجهات المعنية بهذا الملف، وفي مقدمتها وزارة العمل ووزارة التضامن الاجتماعي ووزارة العدل، إلى جانب الجهات الوطنية المختصة بحقوق الإنسان والمرأة والطفل، والجهات المعنية بمكافحة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، فضلًا عن منظمة العمل الدولية والخبراء.
وأوضحت أن طبيعة ملف العمالة المنزلية تجعله قضية متشابكة تجمع بين العمل والحماية الاجتماعية والأسرة والمرأة والطفل والهجرة وحقوق الإنسان، وهو ما يجعل الشراكة بين المؤسسات الوطنية ومنظمة العمل الدولية والاستفادة من الخبرات الدولية والإقليمية أمرًا بالغ الأهمية.
واختتمت وزيرة التضامن بالتأكيد على أن الهدف هو بناء إطار تشريعي وتنفيذي يحقق التوازن بين كرامة العامل وحقوق الأسرة، والحماية والخصوصية، والتنظيم وواقع سوق العمل، بما يرسخ الاعتراف بالعمالة المنزلية كجزء أصيل من سوق العمل، وليس فئة تقع على هامشه.

