مايا مرسي: تحويل التطوع إلى قوة مؤسسية.. ومصر تمتلك أكثر من 75 ألف متطوع
أكدت الدكتورة مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي ورئيسة المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الشؤون الاجتماعية العرب، أن العالم العربي يقف أمام فرصة مهمة لتحويل العمل التطوعي من جهود فردية ومبادرات متفرقة إلى منظومة مؤسسية مستدامة، تستفيد من طاقات الشباب وتوظف التكنولوجيا لخدمة المجتمعات وتعزيز قدرتها على مواجهة الأزمات.
جاء ذلك خلال مشاركتها في الحدث رفيع المستوى حول «تنفيذ استراتيجية القمة العربية لتعزيز العمل التطوعي»، بحضور عدد من المسؤولين وممثلي جامعة الدول العربية والأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية العربية، إلى جانب ممثلي الدول العربية.
ورحبت وزيرة التضامن الاجتماعي بالمشاركين من الدول العربية في مصر، مؤكدة أهمية الفعالية باعتبارها خطوة عملية نحو الانتقال من إقرار الاستراتيجية العربية لتعزيز العمل التطوعي إلى وضع خطط تنفيذية واضحة تستهدف تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.
استراتيجية عربية بخطة تنفيذ واضحة
وأوضحت مايا مرسي أن الاستراتيجية العربية لتعزيز العمل التطوعي تمثل وثيقة استراتيجية مهمة، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب البدء في تنفيذها وإعداد خطة عمل للتحرك، مشيرة إلى أن المنطقة العربية تمتلك بالفعل العديد من المقومات التي يمكن البناء عليها.
وتشمل هذه المقومات وجود بيئة تشريعية داعمة، وتعزيز قيمة التطوع داخل المجتمعات، والاستفادة من التحول الرقمي، وقياس أثر المبادرات، إلى جانب تطوير آليات الاستجابة للأزمات والكوارث وإدارة حالات الطوارئ.
وأكدت أن نجاح الاستراتيجية يحتاج كذلك إلى مجموعة من العوامل المؤسسية، في مقدمتها الإرادة السياسية، والدعم المؤسسي، وتحديد الأدوار والمسؤوليات، وتطبيق الحوكمة الرشيدة، وبناء بيئة قائمة على الثقة، مع ضمان استدامة الموارد والتمويل، وتوفير فرص تطوع مرنة وجاذبة لمختلف الفئات العمرية.
التطوع.. ثقافة متجذرة في المجتمع المصري
وشددت وزيرة التضامن الاجتماعي على أن العمل التطوعي لا يمثل مجرد نشاط إضافي داخل المجتمع، وإنما يعد قيمة إنسانية تعكس وعي الأفراد بمسؤوليتهم تجاه الآخرين، كما يمثل أحد مؤشرات حيوية المجتمعات وقدرتها على العطاء والتكافل.
وأشارت إلى أن المجتمع المصري يمتلك تاريخًا طويلًا في مساندة أفراده بعضهم لبعض، حيث امتدت صور التكافل من مساعدة الأسر الأولى بالرعاية، إلى دعم المرضى وكبار السن والأطفال، وصولًا إلى تقديم العون للمتضررين خلال الأزمات والكوارث.
75 ألف متطوع في الهلال الأحمر المصري
واستعرضت مايا مرسي تجربة الهلال الأحمر المصري باعتبارها واحدة من أبرز النماذج العملية للعمل التطوعي المنظم، موضحة أن شبكة المتطوعين التابعة له تتجاوز 75 ألف متطوع يشاركون في التعامل مع الأزمات والطوارئ، وأعمال الإغاثة والدعم الإنساني والتوعية والخدمات الصحية والمجتمعية داخل مصر وخارجها.
وأشارت إلى الدور الذي قام به الهلال الأحمر المصري خلال أزمة غزة، معتبرة أن ما قدمه المتطوعون خلال هذه الأزمة عكس بصورة واضحة قدرة العمل الإنساني المصري على التحرك في ظروف استثنائية وتقديم الدعم والإغاثة للمحتاجين.
«حياة كريمة».. التطوع يتحول إلى قوة للتنمية
وتطرقت وزيرة التضامن الاجتماعي إلى تجربة مؤسسة «حياة كريمة»، باعتبارها نموذجًا لتحويل طاقات الشباب المتطوعين إلى قوة منظمة قادرة على دعم جهود التنمية على نطاق واسع.
كما أشارت إلى أهمية صندوق دعم مشروعات الجمعيات والمؤسسات الأهلية في تعزيز قدرات المجتمع المدني، ومساندة المبادرات والمشروعات التي تستجيب للاحتياجات الفعلية للمواطنين، وتوسيع نطاق المشاركة المجتمعية والعمل التطوعي المنظم.
ملايين الوجبات.. التطوع في مواجهة الاحتياجات اليومية
ولفتت إلى أن مبادرات الإطعام تمثل إحدى الصور البارزة للعمل الأهلي والتطوعي في مصر، حيث تم توفير ملايين الوجبات الساخنة وكراتين المواد الغذائية خلال شهر رمضان 2026 وعلى مدار العام، من خلال مجموعة من المبادرات والشراكات مع مؤسسات المجتمع المدني.
ومن بين هذه الجهود مبادرات «أبواب الخير» و«المحروسة» و«أهل الخير»، إلى جانب مبادرات التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي والمطبخ الإنساني الرمضاني للهلال الأحمر المصري، بمشاركة الجمعيات والمؤسسات والمتطوعين في مختلف المحافظات.
الجامعات والشباب في قلب منظومة التطوع
وأكدت مايا مرسي أن نطاق العمل التطوعي امتد إلى الجامعات من خلال وحدات التضامن الاجتماعي، إلى جانب برامج وأنشطة صندوق مكافحة وعلاج الإدمان وبرنامج «مودة» لتأهيل المقبلين على الزواج، وغيرها من برامج التوعية والعمل الأهلي.
كما أشارت إلى الاستعانة سنويًا بالمكلفين والمكلفات بالخدمة العامة، في إطار توجه يستهدف دمج الشباب في المجتمع، وتنمية مهاراتهم وتعزيز قدرتهم على تحمل المسؤولية والمشاركة في خدمة المجتمع.
التطوع لم يعد مجرد عمل خيري
وأوضحت الوزيرة أن مراجعة «أفضل الممارسات في العمل التطوعي بالدول الأعضاء في CICA»، الصادرة في يوليو 2026 بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للمتطوعين، تؤكد أن مفهوم التطوع شهد تطورًا كبيرًا، ولم يعد مقتصرًا على العمل الخيري أو المبادرات الفردية.
وأصبح التطوع، وفقًا لما عرضته، أداة استراتيجية لتعزيز التماسك الاجتماعي، وبناء رأس المال البشري، ورفع قدرة المجتمعات على الصمود، فضلًا عن الإسهام في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
كما أشارت إلى دور وزارة التضامن الاجتماعي في تنظيم العمل الأهلي وفق قانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي رقم 149 لسنة 2019، وما يوفره من أطر للتنظيم والتدريب وربط المتطوعين بالجهات المختلفة، إلى جانب قواعد البيانات وعمليات قياس الأثر.
«المنقذ الصغير».. البداية من الأطفال
وشددت مايا مرسي على ضرورة أن تبدأ ثقافة التطوع في سن مبكرة، موضحة أن الطفل الذي يتعلم المشاركة والعمل الجماعي ومساعدة الآخرين واحترام الوقت وتحمل المسؤولية، ينشأ وهو يعتبر التطوع جزءًا طبيعيًا من دوره داخل المجتمع.
وأشارت إلى أهمية المدرسة والجامعة باعتبارهما بيئتين مناسبتين لاكتشاف مجالات التطوع وتنمية مهارات الشباب، وربط جهودهم باحتياجات المجتمع في مجالات مثل حماية البيئة، ورعاية كبار السن، ومساندة الأشخاص ذوي الإعاقة، والتوعية الصحية والمبادرات التنموية.
وفي هذا السياق، لفتت إلى إطلاق الهلال الأحمر المصري مبادرة «المنقذ الصغير» لتدريب الأطفال على مهارات الإنقاذ السريع، ونشر ثقافة المساعدة والتطوع منذ الصغر.
التكنولوجيا تفتح الباب أمام جيل جديد من المتطوعين
وأكدت وزيرة التضامن الاجتماعي أن المنطقة العربية تمتلك فرصة حقيقية لبناء منظومة تطوع حديثة، في ظل وجود ملايين الشباب، وخبرات متراكمة لدى مؤسسات المجتمع المدني، ومؤسسات إنسانية وطنية وعربية قادرة على تنفيذ المبادرات.
وأوضحت أن التكنولوجيا يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في المرحلة المقبلة من خلال ربط المتطوعين بالفرص المناسبة، وتنظيم جهودهم، وجمع البيانات وتحليلها، وقياس النتائج والأثر المجتمعي للمبادرات.
وقالت إن الهدف يتمثل في الوصول إلى تطوع مؤسسي شامل ومستدام، يتيح المشاركة أمام مختلف الفئات، ويخلق مسارات دائمة للعمل المجتمعي، ويحول الطاقة التطوعية إلى قوة وطنية قابلة للتطوير.
إشادة عربية ودولية بالتجربة المصرية
من جانبه، وجه الوزير المفوض طارق نبيل النابلسي، مدير إدارة التنمية والسياسات الاجتماعية بجامعة الدول العربية، الشكر والتقدير إلى الدكتورة مايا مرسي على رعايتها للحدث، مؤكدًا أن تنظيمه يعكس الاهتمام المصري رفيع المستوى بتعزيز العمل التطوعي.
وأشار إلى الجهود التي تبذلها المؤسسات المصرية، وفي مقدمتها وزارة التضامن الاجتماعي والهلال الأحمر المصري، في دعم العمل التطوعي وإيصال المساعدات الإنسانية إلى الأشقاء في مختلف الدول، خاصة الجهود التي بذلت لإغاثة قطاع غزة في ظل ظروف بالغة الصعوبة.
كما أكدت كريستينا ألبرتين، المنسق المقيم للأمم المتحدة في مصر بالإنابة عن برنامج الأمم المتحدة للمتطوعين، أن مصر من الدول المشاركة في عام المتطوعين الدولي من أجل التنمية بقيادة وزارة التضامن الاجتماعي، معتبرة أن ذلك يعكس التزامًا واضحًا بتشجيع العمل التطوعي والاعتراف بدور المتطوعين في تحقيق التنمية المستدامة.
وأعربت عن تطلعها إلى استمرار المتطوعين في تقديم نماذج مؤثرة خلال العام الدولي، وتعزيز إسهاماتهم في مسيرة التنمية داخل مصر والمنطقة العربية.

