رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

د. خالد فواز يكتب: التحالف العربي المشترك الجديد وأمن المنطقة والطاقة

تفصيلة

منذ عام 2023، اندلعت العديد من الأزمات والحروب التي كان من أسبابها ارتفاع أسعار النفط والمواد الخام، إلى جانب الرغبة في تأمين الإمدادات ووصولها إلى الدول صاحبة الحاجة إليها، وخلال هذه الفترة، أدركت الدول أن وجود أزمة في دولة واحدة يمكن أن يؤدي إلى انتقال آثارها وانتشارها إلى أزمات في دول أخرى، سواء كانت دولًا غنية أو نامية.

وقد أدى ذلك إلى اتجاه الدول إلى التفاوض والاجتماع حول حلول لهذه المشكلات، واقتناعها بأن الدولة لا يمكن أن تكون وحدها صاحبة القرار في حماية أمنها وزيادة تأمين إمدادات الطاقة، وإنما من خلال تعاون مشترك بين الدول، حتى تكون هناك قوة اقتصادية وعسكرية أو قوة دفاعية تحمل مسؤولية حماية نفسها وحماية غيرها من أي اعتداء.

ومن هنا ظهرت أهمية التحالفات الاستراتيجية، وكانت من أسمى المراحل الوصول إلى اتفاقات ودية ثم اتفاقات مكتوبة، وهو ما سعت إليه بعض الدول حتى تكون لديها قوة عسكرية واستراتيجية لحماية أمنها وممراتها وإمداداتها، سواء كانت إمدادات الطاقة أو غيرها من السلع.

وأصبح الوقت الآن مناسبًا لكي تتجه جميع الدول العربية إلى وجود تحالف قوي يؤدي إلى الاتحاد والتماسك والتشارك فيما بينها في تبادل المعلومات والخبرات وتوطين الصناعات، حتى تكون هناك قوة إقليمية مسؤولة عن اتخاذ قراراتها وحماية نفسها ومساعدة غيرها، مع إمكانية انضمام دول أخرى إلى هذا الاتحاد عند وجود هذا التحالف القوي.

ويجب أن يكون ذلك بعيدًا عن أي تحالف آخر يقيم على الأراضي العربية قواعده العسكرية ويضع قواعده، بما قد يمثل مسمارًا في جسد الدول العربية أو قاعدة من قواعد التوتر تؤدي إلى زيادة التدهور والخراب واندلاع الأزمات.

التحالف السعودي التركي الباكستاني

يأتي التحالف العربي المشترك المقترح في إطار التقارب بين ثلاث دول رئيسية هي السعودية وتركيا وباكستان، من خلال وجود تحالف عسكري واستراتيجي يقوم على أنه إذا وقع اعتداء على إحدى الدول، فإن الدولتين الأخريين تتجهان إلى حمايتها، مع وجود قوات عسكرية من كل دولة للمساهمة في صد أي اعتداء وحماية الدولة التي تتعرض للأزمة.

ويشمل ذلك حماية الأمن البري والمائي وتأمين وصول إمدادات الطاقة وغيرها من الاحتياجات إلى الدول صاحبة الاستيراد أو الدول صاحبة الحاجة إليها.

ومن أهم مميزات هذا التحالف أن يكون اتخاذ القرار النفسي والاستراتيجي نابعًا من بين الدول العربية والإقليمية وليس من الدول الغربية، وأن يكون الاعتماد الأساسي على القوة الإقليمية وليس على القوة الغربية.

كما يمكن أن يؤدي ذلك إلى تحرير القواعد الأجنبية الموجودة على الأراضي العربية، ليس من خلال ترك الدول دون حماية، وإنما من خلال حماية نفسها بالقوة العربية والإقليمية المشتركة.

ومن خلال هذا التعاون يمكن تحقيق العديد من المصالح، سواء في توطين الصناعات، أو زيادة التدريبات، أو التعلم المتبادل، أو إصلاح الأسلحة، أو تطوير الصناعات الجديدة؛ لأن كل دولة من الدول الثلاث تمتلك شيئًا لا تملكه الدولة الأخرى، وهو ما يوفر ميزة نسبية لكل دولة داخل التحالف.

تحالف لا يستهدف إسرائيل أو إيران

هذا التحالف لا يكون في مواجهة إسرائيل ولا إيران، وإنما يكون هدفه الأساسي زيادة قوة الدول العربية وتبسيط الأمر وزيادة نفوذها داخل منطقة الشرق الأوسط لحماية نفسها دون تدخل من القواعد الأجنبية.

كما أن التحالف لا يكون موجهًا ضد أي دولة عربية أو ضد إسرائيل، وإنما يكون هدفه زيادة قوة الدول العربية والإقليمية وحماية مصالحها.

وفي هذا الإطار، فإن باكستان لديها مصالح مع إيران، خاصة في المجال التجاري، رغم العقوبات والحصار المفروض على إيران، حيث يتم التبادل التجاري بين البلدين من خلال الحصول على بعض السلع والمنتجات الموجودة لدى كل دولة وتبادلها مع الدولة الأخرى.

أما تركيا، فتتعامل مع إيران بصورة أكبر، وهناك علاقات تجارية بين البلدين تبلغ نحو 6 مليارات دولار، رغم العقوبات المفروضة على إيران.

ومن هنا يمكن القول إن وجود هذا التحالف لا يعني بالضرورة وجود خطر على إيران، لأنه ليس تحالفًا موجهًا ضدها، وإنما هو تحالف يسعى إلى حماية مصالح الدول وتعزيز قوتها الإقليمية.

ومن المتوقع أن تكون هناك، في الوقت القادم، مشاركة أكبر بين السعودية وإيران في بعض المجالات، خاصة أن ما يهم إيران في النهاية هو خروج القواعد الأجنبية الموجودة في المنطقة، وأن تكون هناك قدرات إقليمية ومؤسسات أمنية إقليمية بدلًا من الاعتماد الكامل على القوى الأجنبية، وهو ما يمكن أن يتوافق مع مصالح عدد من دول المنطقة.

قوة اقتصادية وعسكرية وبشرية

ورغم التقارب بين الولايات المتحدة والهند وغيرها من الدول، فإن وجود هذا التحالف يمكن أن يمثل قوة عسكرية واقتصادية كبيرة تجمع بين المال والصناعة والتكنولوجيا والقوة البشرية، بما يمكن أن يصنع قوة إقليمية قادرة على تحقيق الكثير من الأهداف.

فاقتصاد الدول الثلاث يتجاوز 3 تريليونات دولار، بينما تصل القوة البشرية إلى نحو 380 مليون نسمة، وهو ما يعطي التحالف المحتمل قاعدة بشرية واقتصادية كبيرة.

السعودية تقوم بدور مهم في التمويل وتمتلك امتدادًا قويًا في قطاع الطاقة والبتروكيماويات، ويمكنها أن تساعد ماديًا أو من خلال الآلات والمواد الخام.

أما تركيا، فلديها صناعات متميزة في الآلات الاستراتيجية والدفاعية، والطائرات المسيرة والمدرعات، إلى جانب الصناعات الإلكترونية وغيرها.

بينما توفر باكستان العمق البشري والاقتصادي وقدرات الإنتاج والكفاءات الموجودة لديها.

ومن هنا يقوم التحالف على التكامل بين قدرات الدول الثلاث، بحيث يمتلك كل طرف ما يحتاج إليه الطرف الآخر.

أمن الطاقة وخطوط النقل

ومن أهم المشروعات التي يمكن أن يعمل عليها التحالف في المستقبل تحويل النفط الخليجي إلى تركيا عبر منطقة جيهان، باعتبارها منطقة متصلة بالشرق الأوسط وأوروبا وآسيا.

وهناك اتفاقات وخطوط لنقل البترول من العراق إلى تركيا، ثم من تركيا إلى الدول صاحبة الحاجة أو الطلب.

ويمر خط النفط بقدرة تصل إلى نحو مليون ونصف برميل، رغم أن الكميات التي تمر فعليًا لا تتجاوز نحو 750 ألف برميل.

ومن المتوقع، في حالة تطوير هذه الخطوط وزيادة قدراتها، أن تستطيع منطقة جيهان تحمل كميات أكبر من النفط والغاز ونقلها إلى الأراضي التركية، ثم عبورها إلى منطقة البحر وتصديرها، سواء من خلال خطوط الأنابيب أو من خلال نقلها إلى الناقلات البرية ثم البحرية.

وهناك أكثر من منطقة في تركيا يمكن أن تصل إليها إمدادات النفط والغاز، مثل خطوط باكو–تبليسي–جيهان، ومنطقة أضنة وتسييس وجيهان، بما يسمح بتجميع النفط وتحميله إلى الناقلات المتجهة إلى الدول التي تحتاج إليه.

ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى تقليل مخاطر المرور والحظر الدولي أو العربي، والابتعاد قدر الإمكان عن مخاطر بعض الممرات البحرية.

كما يمكن تطوير منطقة جيهان لتصبح مركزًا نفطيًا مهمًا، وقد تم طرح إمكانية تطويرها لتصل قدرتها الاستيعابية إلى نحو 15 مليون برميل، إلى جانب الخطوط القائمة لنقل النفط الدولي.

ويمكن كذلك تطوير خطوط موازية بجانب الخطوط الحالية، بما يسمح بمرور كميات أكبر من النفط والغاز، سواء مليون أو مليوني برميل أو أكثر، وفقًا لحجم التطوير والاستثمارات التي يتم تنفيذها.

وهذا يؤدي إلى تأمين خطوط النقل، وفتح امتدادات برية جديدة، وخفض المخاطر الجيوسياسية، وزيادة القوة التفاوضية، وتعزيز قوة البنية التحتية في المنطقة.

التعاون الاقتصادي وتحقيق رؤية 2030

ومن المتوقع أيضًا أن يتم استثمار العديد من المشروعات داخل الدول الثلاث، سواء من خلال الاتفاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بما يساعد على تحقيق خطط المملكة العربية السعودية، وعلى رأسها رؤية 2030.

ويقوم هذا الاقتصاد الثلاثي على التكامل بين عناصر القوة المختلفة.

فالسعودية متميزة في إنتاج النفط والطاقة والاستثمارات، بينما تتميز تركيا بالصناعة والآلات ومواد البناء والحديد والصلب والسيراميك، وتمتلك قطاعًا صناعيًا قويًا في إنتاج الآلات وخطوط الإنتاج والأجهزة الكهربائية، وهي عناصر حيوية لتمويل وتنفيذ مشروعات البناء والبنية التحتية.

أما باكستان، فتملك قوة بشرية ضخمة وقدرات إنتاجية مهمة في مجالات متعددة.

ومن هنا يمكن للتحالف أن يوفر بنية أمنية تساعد على حماية الاستثمارات داخل المملكة والمنطقة، لأن الاقتصاد بطبيعته يتأثر بالأوضاع الجيوسياسية والتوترات.

وعندما تتوفر قوة أمنية وعسكرية واقتصادية مؤمنة، فإن ذلك يساعد على جذب الاستثمارات من الدول الأخرى.

تبادل السلع والخدمات

من المتوقع أيضًا خلال الشهور القادمة زيادة تبادل السلع والخدمات بين الدول الثلاث.

فالسعودية تتميز بالطاقة والبترول والاستثمارات والمصانع والمشروعات، بينما تتميز تركيا بالحبوب والفواكه والخضروات والسلع الصناعية، بينما تتميز باكستان بإنتاج اللحوم والقمح والأرز، إلى جانب الصناعات العسكرية.

كما تمتلك تركيا قوة في صناعة الطائرات المسيرة والآلات والإلكترونيات العسكرية والاستراتيجية، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تقليل الاعتماد على شراء الأسلحة من الغرب، خاصة أن بعض الدول قد تحصل على أسلحة قديمة ثم تنتظر سنوات للحصول على الأجيال الأحدث منها.

كما أن التعاون الصناعي يمكن أن يؤدي إلى نقل الخبرات وتطوير الصناعات العسكرية والمدنية داخل دول التحالف.

خفض فاتورة الواردات

ومن أهم النتائج الاقتصادية المتوقعة زيادة التجارة البينية بين الدول الثلاث.

فإذا كانت فاتورة الواردات بين الدول الثلاث تصل إلى نحو 100 مليار دولار، فإن زيادة التعامل بينها واستخدام العملات الوطنية في جزء من التجارة يمكن أن يؤدي إلى تخفيف فاتورة العملات الأجنبية بنسبة تصل إلى 60%، وفقًا للتقدير المطروح لهذا التعاون.

كما يمكن أن يؤدي الاعتماد على خطوط النقل الأقرب والتبادل المباشر إلى تخفيض تكاليف وزمن الشحن والمرور بنسبة تتراوح بين 20 و25%، وهو ما يوفر موارد مالية يمكن توجيهها إلى البنية التحتية والصناعة والاستثمار.

وبذلك لا تخرج الأموال من المنطقة بصورة مستمرة لشراء السلع والخدمات، وإنما يعاد تدوير جزء أكبر منها داخل الاقتصادات المشاركة، بما يساعد على زيادة الاستثمارات ورفع الإنتاج المحلي.

احتمالات توسع التحالف

ومن المتوقع أن تتوسع هذه المنظومة في المستقبل بانضمام دول أخرى، مثل مصر والإمارات، مع إمكانية التعاون مع روسيا والصين، بما يؤدي إلى تشكيل قوة إقليمية ودولية أكبر.

فكل دولة من هذه الدول تمتلك ميزة مختلفة؛ فهناك من يمتلك الطاقة، وهناك من يمتلك التكنولوجيا، وهناك من يمتلك الصناعة، وهناك من يمتلك القوة البشرية، وهناك من يمتلك رأس المال والأسواق والموقع الجغرافي.

وهذا التكامل يمكن أن يؤدي إلى بناء شرق أوسط جديد يعتمد بدرجة أكبر على نفسه، دون أن يعني ذلك قطع العلاقات مع الغرب أو العالم الخارجي.

ومن المتوقع أيضًا أن يزداد التعامل بالعملات الوطنية في التجارة البينية، بما يؤدي إلى تقليل الاعتماد على العملة الأجنبية، خاصة عندما ترتفع معدلات الإنتاج والتبادل التجاري والناتج المحلي وتزداد قوة الصناعات الحديثة، سواء في المواد الخام أو السلع الوسيطة أو المنتجات النهائية.

العالم أمام خيار جديد

العالم اليوم أصبح يرى أن مصيره أصبح مرتبطًا بدرجة كبيرة بقدرته على التعاون مع جيرانه وأشقائه في المنطقة، وليس بالاعتماد الكامل على دولة أجنبية لا تعرف المنطقة إلا من خلال مصالحها وقواعدها العسكرية.

فالولايات المتحدة، وفقًا لهذا الطرح، تهتم بالحفاظ على مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، وتأمين حركة النفط والشركات والمصالح المرتبطة بالطاقة في المنطقة، كما أن وجود قواعدها العسكرية يمنحها قدرة كبيرة على التأثير في ملفات الأمن الإقليمي.

لكن السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع الدول العربية والإقليمية بناء منظومة أمنية واقتصادية تستطيع من خلالها حماية نفسها دون الاعتماد الكامل على القواعد الأجنبية؟

الإجابة تبدأ من بناء القوة الذاتية.

فإذا تمكنت دول المنطقة من بناء قوة اقتصادية وصناعية وعسكرية مشتركة، وتطوير البنية التحتية، وتأمين خطوط الطاقة والتجارة، وتبادل المعلومات والخبرات، وتوطين الصناعات، فإنها تستطيع توفير الأموال التي تنفق على الاعتماد الخارجي وتوجيهها إلى التنمية والصناعة والتكنولوجيا والتعليم.

وفي النهاية، فإن الهدف من التحالف ليس الدخول في حرب مع دولة بعينها، ولا مواجهة إسرائيل أو إيران، وإنما بناء قوة عربية وإقليمية مشتركة قادرة على حماية نفسها، وتأمين مواردها، وحماية طرق التجارة والطاقة، واتخاذ قراراتها بصورة مستقلة.

إن ما شهدته المنطقة من اعتداءات وأزمات خلال السنوات الأخيرة يجب أن يدفع الدول العربية إلى التفكير في بناء منظومة أمن إقليمية جديدة، تقوم على التعاون والتكامل بدلًا من التفرق، وعلى الصناعة بدلًا من الاستيراد، وعلى القوة الذاتية بدلًا من الاعتماد الكامل على الخارج.

فالقوة الحقيقية في عالم اليوم لا تقوم على السلاح وحده، وإنما على امتلاك الاقتصاد والطاقة والغذاء والصناعة والتكنولوجيا والقدرة العسكرية والبشرية في منظومة واحدة.

ومن هنا يمكن أن يبدأ بناء قوة إقليمية جديدة، قادرة على حماية أمنها ومصالحها، وقادرة كذلك على مساعدة غيرها، دون أن تكون موجهة ضد أحد، وإنما موجهة بالأساس نحو حماية المنطقة وبناء مستقبل أكثر استقلالًا واستقرارًا.

تم نسخ الرابط