رائد الديب يكتب: "أنا لا أحد".. أوديسيوس ورحلة العودة إلى الذات
سؤال واحد ظل يطارد الإنسان منذ خرج لأول مرة من الكهوف وحتى دخل عصر الذكاء الاصطناعي؛ "من أنا؟!"،
ليس السؤال: ماذا أملك، ولا أين أعيش؟، ولا ماذا أعمل؟، بل ذلك السؤال الذي يبدو بسيطا ويبتلع كل الفلسفة: ما الذي يشكل هويتنا؟.. هل هي أسماؤنا التي منحها لنا آباؤنا؟، أم أجسادنا الزائلة التي تتغير كل يوم؟، أم ذاكرتنا التي تنسى وتعيد اختراع الماضي؟، أم وعينا؟، أم اعتراف الآخرين بنا؟!
وقبل أكثر من ألفي عام، لم يكن هوميروس يكتب مجرد ملحمة عن بطل يعود من الحرب، بل كان يكتب أول رواية كبرى عن أزمة الهوية.. في رحلة عودته من طروادة إلى وطنه إيثاكا، حيث يواجه أوديسيوس أهوالا لا طاقة لأحد بها.. ولا عجب أنه نجا منها؛ فهو الرجل الذي أنهى حربا استمرت عشر سنوات بخدعة حصان طروادة، والذي وصفه الإغريق بأنه "الرجل ذو الألف حيلة"، لكن أخطر ما واجهه لم يكن العملاق بوليفيموس، ولا الساحرة كيركي، ولا السيرينات، ولا البحر الغاضب.. بل سؤال واحد: من أنا؟،
ولذلك، لم تكن الأوديسة رحلة عودة إلى الوطن فحسب، بل كانت رحلة عودة إلى الذات.
وهنا تحديدا يلتقي هوميروس مع الفيلسوف الألماني جورج فيلهلم فريدريش هيجل، الذي رأى أن الهوية ليست شيئا يولد مع الإنسان ثم يبقى ثابتا إلى الأبد، وإنما هي رحلة طويلة من الضياع والاغتراب والعودة.. فالإنسان، عند هيجل، لا يعرف نفسه وهو جالس في مكانه، بل يعرفها عندما يخرج منها، ويصطدم بالعالم، ويخسر، ويقاوم، ثم يعود إليها وقد أصبح شخصًا آخر؛ لهذا رفض هيجل الفكرة القديمة التي كانت ترى أن الهوية مجرد معادلة بسيطة تقول: "الشيء هو نفسه".
ففي نظر هيجل، الهوية الحقيقية لا تولد من التشابه، وإنما من الاختلاف، ولا تكتمل إلا بالصراع، ولا تنضج إلا بالتجربة.. فالذات تبدأ بريئة وساذجة، ثم تغادر عالمها، وتدخل في اغتراب كامل، قبل أن تعود إلى نفسها أكثر وعيا ونضجا.. إنها الحركة الجدلية التي تجعل الإنسان يولد مرتين: مرة من أمه، ومرة من التجربة.. وهذا بالضبط ما فعله أوديسيوس؛ قبل الحرب كان ملكا لإيثاكا، يعرف اسمه، ويعرف بيته، ويعرف شعبه.. لكنها كانت هوية لم تختبر بعد.. ثم جاءت طروادة، ثم جاء البحر، ثم جاء التيه.
وهنا بدأ الإنسان الحقيقي في التشكل؛ كل جزيرة وصل إليها كانت سؤالا جديدا عن ذاته، وكل وحش واجهه كان جزءا من نفسه لم يكن يعرفه، وكل خسارة كانت تزيل طبقة من هويته القديمة لتكشف طبقة أعمق.. ولعل أكثر لحظات الأوديسة عبقرية هي تلك التي وقف فيها أوديسيوس أمام العملاق بوليفيموس، فسأله عن اسمه، فلم يقل: أنا أوديسيوس، بل أجاب: "أنا لا أحد".. قد تبدو خدعة لإنقاذ حياته، لكنها في الحقيقة واحدة من أعظم اللحظات الفلسفية في الأدب الإنساني؛ ففي تلك اللحظة، فقد اسمه، لكنه لم يفقد ذاته.
وحين انتصر أوديسيوس على العملاق وغادر الجزيرة، صرخ باسمه الحقيقي أمام البحر كله، كأن الهوية لا تمنح بالميلاد، بل تكتسب بعد عبور الخوف.. ثم جاءت جزيرة اللوتس، حيث ينسى الإنسان وطنه وتاريخه بمجرد أن يأكل من الثمرة.. كانت التجربة أشبه بسؤال فلسفي آخر: ماذا يبقى من الإنسان إذا فقد ذاكرته؟، رفض أوديسيوس البقاء هناك، لأن فقدان الذاكرة لم يكن يعني نسيان الطريق فقط، بل نسيان الذات.. ثم جاءت كيركي، التي حولت الرجال إلى خنازير، وكأن هوميروس يقول إن الإنسان قد يفقد هويته حين يستسلم لشهواته وغرائزه، فيتحول إلى كائن يعيش بلا وعي.. ثم نزل أوديسيوس إلى العالم السفلي، إلى هاديس، حيث واجه الموت نفسه، واستمع إلى أرواح الماضي.
وكان يرى هيجل أن الإنسان لا يصبح حرا حقا إلا عندما ينظر إلى الموت في عينيه، لأن من يخشى الفناء يظل عبدا، أما من يواجهه فإنه يكتشف ذاته؛ ولذلك لم تكن رحلة أوديسيوس في البحر، بقدر ما كانت رحلة في أعماق النفس.. لكن هيجل يضيف بعدا آخر أكثر تعقيدا، فالإنسان لا يعرف نفسه وحده، إنه يحتاج إلى اعتراف الآخرين به، ومن هنا جاءت جدليته الشهيرة بين السيد والعبد، حيث يصبح الوعي بالذات مستحيلا دون وجود وعي آخر يعترف به.. ولهذا لم يكن كافيا أن يعود أوديسيوس إلى وطنه إيثاكا، بل كان عليه أن يُعرف من جديد.. فقد عاد متخفيا في هيئة شحاذ، حتى ابنه لم يعرفه، وزوجته لم تعرفه، وشعبه لم يعرفه، كأن الوطن نفسه أصبح غريبا عنه، ومع كل اعتراف جديد، كانت هويته تستعيد جزءا من نفسها.
وجاءت لحظة القوس، ذلك القوس الذي لم يستطع أحد أن يشده سوى صاحبه الحقيقي، لم يكن الاختبار اختبار قوة عضلية، بل اختبار هوية؛ وفي اللحظة التي شد فيها الوتر، لم يعد الشحاذ شحاذا، ولم يعد المتنكر متنكرا، عاد أوديسيوس.. لكن الحقيقة أن الذي عاد لم يكن هو الرجل الذي خرج قبل عشرين عاما، لقد عاد إنسانا آخر.. وهنا تكمن عبقرية هيجل، فالهوية ليست الاسم وحده.. وليست الجسد وحده.. وليست الذاكرة وحدها.. وليست اعتراف الناس وحده؛ إنها الخيط الخفي الذي يربط كل هذه العناصر معا، ويمنحها معنى واحدا.
ففي الأوديسة ولد أوديسيوس إنسانا جديدا، لكن لم هذا الإنسان الجديد لم يبن هويته فقط، بل دفع ثمنها أيضا.. فالأوديسة تكشف لنا أن الإنسان لا يصل إلى ذاته مرة واحدة، بل يظل يعيد اكتشافها حتى آخر العمر.. لهذا ربما كان السؤال الحقيقي ليس: من نحن؟!، بل: كم مرة سنولد قبل أن نعرف من نحن؟؛ فالهوية ليست بطاقة شخصية، ولا اسما في شهادة الميلاد، ولا وجها في المرآة؛ الهوية هي كل الطرق التي سلكناها، وكل الهزائم التي نجونا منها، وكل الغرباء الذين التقيناهم، وكل النسخ القديمة التي ماتت في داخلنا، حتى أصبحنا ما نحن عليه الآن.. فالهوية ليست اسما نحمله؛ بل رحلة نعود منها أشخاصا آخرين.