رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

د. سلوى زكي تكتب: البنية التحتية الآمنة.. من ترخيص المبنى إلى اقتصاد الحماية

تفصيلة

«كود المبنى الآمن والمرن» في مصر
ماذا لو أصبح كل مبنى جديد مشروعًا استثماريًا في الأمان؟
ماذا لو لم يعد ترخيص المبنى الجديد مجرد موافقة على الارتفاع والمساحة والاشتراطات الإنشائية، وإنما أصبح شهادة ميلاد لمبنى قادر على مواجهة المخاطر؟
ماذا لو أصبح لدينا مبنى مصمم منذ اللحظة الأولى ليقاوم الزلازل، ويحد من انتشار الحرائق، ويتيح الإخلاء السريع، ويستطيع الاستمرار في تقديم الخدمات الأساسية أثناء الأزمات؟
وماذا لو تحولت هذه المنظومة من تكلفة إضافية على المستثمر إلى ميزة اقتصادية ترفع قيمة العقار، وتخفض تكلفة التأمين والصيانة والخسائر المستقبلية، وتخلق سوقًا جديدة لشركات التكنولوجيا والهندسة والصيانة؟
هذه ليست رفاهية عمرانية، وإنما استثمار في رأس المال العقاري وحماية الثروة الوطنية.
فالمركز القومي لبحوث الإسكان والبناء لديه بالفعل منظومة واسعة من الأكواد المصرية في مجالات الحريق والطاقة والمباني الخضراء والمدن الذكية، كما توجد قواعد وكودات مرتبطة بالأحمال ومقاومة الزلازل. وبالتالي فإن الفكرة ليست البدء من الصفر، وإنما دمج هذه المتطلبات في منظومة واحدة ذكية مرتبطة بالترخيص والتفتيش والتأمين والصيانة.
ماذا لو تم إنشاء إطار وطني موحد تحت مسمى:
كود المبنى الآمن والمرن – Safe & Resilient Building Code
بحيث لا يحصل المبنى الجديد على الترخيص النهائي إلا بعد اجتياز مجموعة من اختبارات السلامة الأساسية، تشمل:
السلامة الإنشائية ومقاومة الأحمال والزلازل.
الوقاية من الحرائق.
سرعة اكتشاف الحريق والإنذار المبكر.
مسارات الهروب والإخلاء.
سلامة الكهرباء والغاز.
سلامة المصاعد.
تأمين خزانات المياه وشبكاتها.
أنظمة الطوارئ والطاقة الاحتياطية.
حماية الواجهات والأسطح والعناصر غير الإنشائية.
إمكانية وصول سيارات ومعدات الطوارئ.
إدارة المخاطر في المبنى.
جاهزية المبنى للتعامل مع الأزمات والكوارث.
والأهم أن يتحول هذا الكود من مجموعة اشتراطات هندسية منفصلة إلى «منظومة أمان» واحدة مرتبطة بملف المبنى الإلكتروني.
ثانيًا: الترخيص الجديد.. «رخصة سلامة» وليس مجرد رخصة بناء
الفكرة الأكثر أهمية هي إعادة تعريف الترخيص.
بدلًا من أن ينتهي الأمر عند صدور رخصة البناء، يحصل المبنى بعد التنفيذ على:
شهادة سلامة المبنى – Building Safety Certificate
وتكون جزءًا من الملف العقاري للمبنى.
وتتضمن الشهادة:
1. درجة السلامة الإنشائية.
2. درجة الحماية من الحريق.
3. درجة جاهزية الإخلاء.
4. درجة السلامة الكهربائية والميكانيكية.
5. درجة الاستدامة وكفاءة الطاقة.
6. درجة الجاهزية للطوارئ.
وبذلك يصبح لكل مبنى «تصنيف أمان» واضح يمكن للمواطن

والمستثمر وشركة التأمين معرفته.
ماذا لو أصبح كل مبنى بالمدن او بالقري مثل الفنادق يتم تقيمة بالنجوم ولاكنها تسمي بنجوم الأمان للمباني.... 
 مبنى آمن
مبنى آمن ومتطور
مبنى عالي الجاهزية
مبنى مرن أمام المخاطر
مبنى ذكي مقاوم للمخاطر
ولا يعني ذلك أن المبنى الأقل تصنيفًا مخالف، بل يكون النظام حافزًا استثماريًا للمطورين للارتقاء بمستوى المبنى.
وهنا تتحول السلامة من عبء إلى ميزة تسويقية للعقار.
ماذا لو كان هناك «جواز سفر المبنى»
فكرة أخرى يمكن أن تحدث نقلة حقيقية:
Building Passport – جواز سفر المبنى
يصدر لكل مبنى جديد ملف رقمي منذ وضع حجر الأساس.
ويحتوي على:
التصميمات الهندسية.
نوع الأساسات.
نتائج اختبارات التربة.
مواصفات الخرسانة والحديد.
الأنظمة الكهربائية.
أنظمة مكافحة الحريق.
المصاعد.
خزانات المياه.
أنظمة الغاز.
مسارات الإخلاء.
شهادات الاختبار.
سجل الصيانة.
أي تعديلات تمت على المبنى.
وبذلك لا تكون المعلومات الهندسية «مدفونة في ملفات ورقية»، بل تصبح ذاكرة رقمية للمبنى طوال عمره.
وعند بيع الوحدة، يستطيع المشتري معرفة تاريخ المبنى وحالته ومستوى أمانه.
وماذا لو كان هنا بمصر مبنى «يكتشف الخطر قبل الكارثة»
هنا يأتي الاستثمار الحقيقي في التكنولوجيا.
يمكن إلزام المباني الجديدة ذات الارتفاعات أو الاستخدامات المحددة بتركيب:
شبكة استشعار ذكية للمخاطر
تراقب:
الاهتزازات غير الطبيعية.
ارتفاع درجات الحرارة.
الدخان.
تسرب الغاز.
تسرب المياه.
الأعطال الكهربائية.
بعض مؤشرات التشققات أو الحركة الإنشائية وفق التصميم الهندسي.
وفي حالة وجود خطر، تنتقل الإشارة إلى:
المبنى → إدارة العقار → مركز الطوارئ المختص.
وبذلك ننتقل من:
«اكتشاف الكارثة بعد وقوعها»
إلى:
«اكتشاف مؤشرات الخطر قبل أن تتحول إلى كارثة».
ماذا  لو كان هناك «الصندوق الأسود للمبنى»
فكرة مستوحاة من فلسفة الصندوق الأسود في وسائل النقل.
يتم إنشاء وحدة إلكترونية صغيرة داخل المبنى تسجل بصورة دورية بيانات الأنظمة الحيوية، مثل:
إنذارات الحريق.
أعطال الكهرباء.
اختبارات أنظمة الإطفاء.
الصيانة.
الإنذارات الفنية.
بعض قراءات المستشعرات.
وعند وقوع حادث، تصبح البيانات أداة مهمة للتحليل الهندسي ومعرفة سبب الخلل وتطوير المعايير مستقبلًا.
من هنا يجب  تحويل السلامة من تكلفة إلى استثمار
أحد أهم أهداف المشروع هو ألا يشعر المطور أن اشتراطات السلامة تعني فقط:
تكلفة إضافية.
بل يجب أن يحصل على مقابل اقتصادي.
مثلًا:
المطور الملتزم يحصل على:
سرعة نسبية في إجراءات المراجعة عند استيفاء المتطلبات.
تصنيف سلامة أعلى للعقار.
حوافز في الرسوم وفق التشريعات التي يتم اعتمادها.
تسهيلات تمويلية بالتنسيق مع القطاع المصرفي.
مزايا تأمينية محتملة.
قيمة تسويقية أعلى للمشروع.
ثقة أكبر لدى المشترين.
وهنا تتحول السلامة إلى:
«استثمار قابل للقياس» وليس تكلفة غير مستردة.
ماذا لو دخل  البنك فى الخطة
يمكن للمؤسسات المالية، وفق الأطر الرقابية المعمول بها، تطوير منتجات تمويلية تمنح مزايا للمشروعات التي تحقق مستويات مرتفعة من السلامة والاستدامة.
أي أن البنك لا ينظر فقط إلى:
«هل المشروع مربح؟»
بل يمكن أن ينظر أيضًا إلى:
«ما مستوى المخاطر الفنية التي يحملها المشروع؟»
وبالتالي يصبح تصنيف السلامة أحد عناصر تقييم المخاطر العقارية.
فماذا لو تم التأمين كأداة اقتصادية
يمكن تطوير سوق متخصصة في:
التأمين على مخاطر المباني
ومع وجود «تصنيف أمان» موحد، تصبح شركة التأمين قادرة على تقييم المخاطر بشكل أفضل.
المبنى الأكثر التزامًا بالسلامة يمكن أن يحصل – وفق سياسات شركات التأمين والتسعير الاكتواري – على شروط أفضل.
وبذلك يصبح هناك حافز اقتصادي مباشر:
كلما زادت السلامة → انخفضت المخاطر → تحسن تقييم التأمين.
ماذا لو كان اخيرا وليس أخرا ان يكون هناك  «صندوق لصيانة المبنى»
فكرة مهمة جدًا في العمارات السكنية.
يكون لكل مبنى جديد حساب أو مخصص للصيانة الوقائية، وفق إطار قانوني واضح.
ولا تستخدم الأموال فقط عند حدوث مشكلة، وإنما يتم تخصيصها لأعمال مثل:
اختبار أنظمة الحريق.
صيانة المصاعد.
مراجعة الكهرباء.
صيانة خزانات المياه.
مراجعة مضخات الحريق.
صيانة مخارج الطوارئ.
الفحص الدوري للعناصر ذات الأهمية.
الفكرة الأساسية:
لا ننتظر انهيار الشيء حتى ندفع ثمن إصلاحه.
بل:
نصنع اقتصادًا للصيانة الوقائية.

التقسيم الذكي للمبنى إلى قطاعات حريق.
فبدلًا من السماح بانتقال الحريق والدخان بسرعة بين أجزاء المبنى، يتم تصميم المبنى بحيث يساعد على احتواء الحريق في منطقة محددة وإبطاء انتقاله.
وهذا يتكامل مع أنظمة الإنذار والإطفاء والإخلاء.
والكود المصري للحريق يتضمن بالفعل منظومة متخصصة؛ ومن أمثلتها الجزء الخاص بأنظمة الإطفاء بالمياه الصادر بقرار وزاري رقم 344 لسنة 2007.
الثالث عشر: «غرفة الأمان»
يمكن إدخال مفهوم جديد في بعض أنواع المباني:
Emergency Safety Room
وهي مساحة آمنة ومجهزة وفق طبيعة المبنى والاستخدام، يمكن أن تستخدم في حالات الطوارئ إلى حين إتمام الإخلاء أو وصول فرق الإنقاذ.
ويختلف تصميمها ومتطلباتها حسب ارتفاع المبنى ونوع استخدامه وعدد شاغليه.
ماذا لو لم ننسي  المباني القديمة
لا يجب أن تقتصر المبادرة على المباني الجديدة.
لأن الثروة العقارية القائمة هي الجزء الأكبر من الثروة المبنية.
لذلك نقترح:
برنامج «إنقاذ المباني القائمة»
ويبدأ بتصنيف المباني إلى:
آمنة
تحتاج إلى صيانة
عالية الخطورة
ثم يتم وضع خطة تدريجية للتعامل معها.
وهنا تظهر فرصة اقتصادية ضخمة أمام:
شركات التدعيم.
شركات الاستشارات الهندسية.
شركات الصيانة.
شركات أجهزة الإنذار.
شركات الحساسات.
شركات العزل.
شركات الطاقة.
العمالة الفنية المتخصصة.
أي أن السلامة نفسها يمكن أن تصبح قطاعًا اقتصاديًا جديدًا.
من كل هذا يظهر «اقتصاد السلامة».. سوق جديدة لمصر
تطبيق الكود سيخلق طلبًا على منتجات وخدمات جديدة:
قطاع هندسي
مكاتب استشارات وفحص وتقييم.
قطاع صناعي
إنتاج أنظمة إنذار وإطفاء وحساسات ومكونات السلامة.
قطاع تكنولوجي
برمجيات إدارة المباني والمراقبة الذكية.
قطاع صيانة
شركات صيانة دورية معتمدة.
قطاع تأمين
منتجات تأمينية مرتبطة بمستوى المخاطر.
قطاع تدريب
تأهيل مهندسين وفنيين ومفتشين.
قطاع تمويل
منتجات تمويلية مرتبطة بمستوى السلامة والاستدامة.
وبذلك يتحول الاستثمار في حماية المباني إلى محرك للنمو الاقتصادي وفرص العمل.
وعليه سوف يكون وسط كل هذا  «المبنى المنتج»
المبنى الجديد يمكن أن يدمجالسلامة بالاستدامة ب
الطاقة الشمسية حيثما تكون مناسبة.
الإضاءة الموفرة.
أنظمة إدارة الطاقة.
تجميع مياه الأمطار حيثما يناسب الموقع.
إعادة استخدام المياه وفق القواعد الفنية والصحية.
الأسطح الخضراء حيث تكون مناسبة.
العزل الحراري.
وبذلك لا يكون الهدف فقط:
«مبنى لا ينهار ولا يحترق».
بل:
«مبنى آمن، اقتصادي، ذكي، موفر للطاقة ومستدام».
وهو اتجاه يتوافق مع وجود كود مصري لتحسين كفاءة استخدام الطاقة في المباني، إضافة إلى أكواد المباني الخضراء والمدن الذكية.
إنشاء «كود المبنى الآمن والمرن» لا يعني إضافة أعباء بيروقراطية جديدة، وإنما يعني إعادة تنظيم وتكامل المتطلبات الموجودة في منظومة واحدة، مع تطويرها تدريجيًا وفق المخاطر والتكنولوجيا الحديثة.
والتوصية الأساسية هي:
ألا يحصل أي مبنى جديد، وفق الفئات التي يحددها الإطار التشريعي، على الترخيص النهائي إلا بعد إثبات قدرته على تحقيق الحد الأدنى المعتمد من السلامة الإنشائية والحماية من الحريق والإخلاء والطوارئ والسلامة الكهربائية والميكانيكية، مع إنشاء ملف رقمي دائم للمبنى.
ثم يتم الانتقال إلى المستوى الأعلى:
«مصر.. دولة المباني الآمنة»
حيث تصبح السلامة جزءًا من قيمة العقار، والاستدامة جزءًا من الاستثمار، والتكنولوجيا جزءًا من الترخيص، والصيانة جزءًا من الاقتصاد.
فالمبنى الآمن لا يحمي الأرواح فقط؛
بل يحمي الاستثمار، ويحمي الثروة العقارية، ويحمي الاقتصاد من تكلفة الكوارث.

تم نسخ الرابط