رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

د.محمد عسكر يكتب: أزمة خطوط المحمول.. من يحمي بيانات المصريين؟

تفصيلة

لم تعد أزمة خطوط المحمول المسجلة بأسماء مواطنين دون علمهم مجرد واقعة إجرائية يمكن اختزالها في خطأ موظف أو مخالفة داخل منفذ بيع. فالمسألة، في جوهرها، أعمق من ذلك بكثير؛ لأنها تضع أمامنا سؤالًا يتجاوز قطاع الاتصالات إلى صميم التحول الرقمي الذي تعيشه الدولة والمجتمع: من يحمي هوية المواطن الرقمية عندما تصبح بياناته الشخصية مفتاحًا لعشرات الخدمات؟
خلال الأيام الماضية، اكتشف مواطنون وجود خطوط محمول مسجلة بأسمائهم دون علمهم، وهو ما أثار حالة من القلق المشروع، ليس فقط بسبب وجود خطوط لا تخصهم، وإنما بسبب ما يمكن أن يترتب على تسجيل خط باسم شخص من آثار قانونية وأمنية ورقمية. فالرقم المحمول لم يعد مجرد وسيلة لإجراء مكالمة أو إرسال رسالة قصيرة؛ لقد أصبح جزءًا من هوية الفرد الرقمية، وارتبط بالخدمات المصرفية والمحافظ الإلكترونية والتطبيقات ومنصات التواصل والخدمات الحكومية وغيرها.
ومن هنا تأتي أهمية الإجراءات التي اتخذتها وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، وفي مقدمتها إحالة شركات المحمول الأربع إلى التحقيق للوقوف على أسباب المخالفات وتحديد المسؤوليات. فالرسالة هنا تتجاوز الشركات المعنية إلى السوق بأكمله: حماية بيانات المشتركين ليست إجراءً شكليًا، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها مسؤولية ثانوية أمام سرعة البيع وتوسيع قاعدة العملاء.
والواقع أن الأزمة تكشف لنا شيئًا مهمًا في إدارة التكنولوجيا: وجود الأنظمة والقواعد لا يعني بالضرورة أن المنظومة محكمة. قد تكون هناك تعليمات واضحة للتحقق من هوية العميل، وإجراءات لتسجيل الخطوط، وقواعد تنظم العلاقة بين شركات المحمول والموزعين ومنافذ البيع، لكن السؤال الأهم هو: هل يتم تنفيذ هذه القواعد بالطريقة نفسها في كل نقطة من نقاط المنظومة؟ وهل توجد آليات قادرة على اكتشاف الخلل في اللحظة التي يحدث فيها؟
هذه هي الفجوة التي ينبغي أن نتوقف أمامها.
ففي عالم الاتصالات الحديث، لم يعد كافيًا أن نقول إن المواطن قدم بطاقة هويته عند شراء الخط. المطلوب هو التأكد من أن صاحب الهوية هو نفسه الشخص الذي يجري عملية التسجيل، وأن العملية تمت عبر قناة موثوقة، وتحت رقابة يمكن مراجعتها لاحقًا. وهنا تظهر أهمية التوسع في أدوات التحقق الرقمي والبيومتري، وربط عملية التسجيل بمنظومة تحقق أكثر صرامة، بحيث لا تصبح بيانات الهوية وحدها كافية لإنشاء هوية اتصالية لشخص لم يطلب الخدمة.
لكن التكنولوجيا وحدها ليست عصًا سحرية.
يمكن أن نمتلك أكثر الأنظمة تطورًا، ثم نفشل إذا كانت هناك ثغرة بشرية أو إدارية أو تنظيمية تسمح بتجاوز الإجراءات. ولذلك فإن معالجة الأزمة يجب أن تبدأ من إعادة النظر في سلسلة المسؤولية بأكملها: شركة المحمول، ومنافذ البيع، والموزعون، والعاملون الذين يتعاملون مع بيانات العملاء، والأنظمة الإلكترونية التي تستقبل هذه البيانات وتعالجها.
كل عملية تسجيل ينبغي أن تترك أثرًا رقميًا واضحًا: من قام بها، وأين، ومتى، ومن خلال أي نظام، وما الإجراءات التي اتُبعت للتحقق من الهوية. فحين تكون العملية قابلة للتتبع، تصبح المحاسبة ممكنة، وحين تكون المحاسبة حقيقية، يصبح الالتزام بالإجراءات جزءًا من ثقافة العمل وليس مجرد تعليمات مكتوبة على الورق.
كما أن الرقابة يجب ألا تكون رقابة لاحقة فقط. فالتقنيات الحديثة تتيح للشركات والجهات التنظيمية اكتشاف الأنماط غير الطبيعية قبل أن تتسع المشكلة. فإذا ظهرت نقطة بيع تقوم خلال فترة قصيرة بتسجيل أعداد غير معتادة من الخطوط بأسماء مواطنين مختلفين، أو تكررت منها عمليات تغيير أو استبدال شرائح بصورة لافتة، فينبغي أن تعتبر هذه البيانات مؤشرًا يستحق الفحص الفوري. وهنا يمكن لتحليلات البيانات والذكاء الاصطناعي أن يتحولا من أدوات تجارية إلى أدوات لحماية المستهلك.
وفي المقابل، لا ينبغي أن ننسى الطرف الأهم في هذه المعادلة: المواطن نفسه.
فحماية البيانات لا تكتمل إذا ظل المواطن آخر من يعلم بما يحدث لبياناته. ينبغي أن يمتلك كل شخص وسيلة بسيطة وآمنة لمعرفة الخطوط المسجلة باسمه، وأن يحصل على إشعار عند تسجيل خط جديد أو إجراء تغيير جوهري على بياناته، وأن يستطيع الاعتراض على أي خط لا يعرفه من خلال إجراءات سريعة وواضحة، دون أن يتحول اكتشاف المشكلة إلى رحلة طويلة بين الفروع ومراكز الاتصال.
وهنا يمكن أن تصبح الأزمة الحالية فرصة لإعادة بناء العلاقة بين المواطن وشركات الاتصالات على أساس جديد، عنوانه الشفافية. فالمواطن الذي يعرف ما الذي يحدث لبياناته، ومتى يحدث، وكيف يمكنه الاعتراض، هو مواطن أكثر ثقة في المنظومة الرقمية.
والأمر لا يتعلق فقط بالخصوصية بالمعنى التقليدي. إن حماية بيانات الهوية أصبحت جزءًا من الأمن الرقمي للمجتمع. فالخط المحمول قد يكون بوابة إلى حساب بنكي أو محفظة إلكترونية أو حساب على منصة رقمية. وإذا فقد المواطن السيطرة على رقم مسجل باسمه، فقد يجد نفسه أمام مشكلات لا علاقة له بها، وقد يضطر إلى إثبات أنه لم يكن طرفًا في واقعة بدأت أصلًا باستخدام بياناته.
ومن هنا يجب أن ننتقل من فلسفة "منع الخطأ" إلى فلسفة أوسع هي "الأمان من التصميم" أي أن تُبنى منظومة تسجيل الخطوط منذ البداية بحيث تجعل الخطأ أو التلاعب أكثر صعوبة، وتكشف الانحرافات بسرعة، وتحد من حجم الضرر إذا وقع الخلل.
كذلك يجب أن تكون المسؤولية واضحة. لا ينبغي أن تضيع المخالفة بين الشركة والموزع والموظف بحجة أن كل طرف جزء صغير من سلسلة طويلة. المواطن لا يتعامل مع هذه السلسلة؛ هو يتعامل مع منظومة اتصالات، ومن ثم ينبغي أن تكون هناك مسؤولية مؤسسية واضحة تضمن أن كل حلقة في هذه السلسلة تعمل وفق المعايير المطلوبة.
إن إحالة الشركات إلى التحقيق خطوة مهمة، لكنها ليست نهاية الطريق. القيمة الحقيقية لهذه الخطوة ستظهر في النتائج التي ستترتب عليها: هل ستتم معالجة الثغرات التي سمحت بالمشكلة؟ هل ستصبح الرقابة أكثر فاعلية؟ هل سيجري تطوير آليات التحقق؟ وهل سيتمكن المواطن من السيطرة الفعلية على هويته الرقمية؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كانت الأزمة مجرد واقعة عابرة، أم نقطة تحول في طريقة إدارة سوق الاتصالات.
لقد تغير معنى "الخط المحمول" كثيرًا. كان في الماضي مجرد شريحة صغيرة داخل هاتف، أما اليوم فأصبح أحد مفاتيح الوجود الرقمي للإنسان. ولذلك فإن حماية الخط تعني، في جانب منها، حماية هوية صاحبه، وحماية بياناته، وحماية حقوقه.
والدرس الأهم الذي ينبغي أن نخرج به من هذه الأزمة هو أن الثقة هي البنية التحتية الحقيقية للاقتصاد الرقمي. فالمواطن لن يستخدم الخدمات الرقمية بثقة إذا شعر أن بياناته يمكن أن تُستخدم دون علمه، ولن تنجح خطط التحول الرقمي بالكامل إذا لم تواكبها منظومة قوية لحماية الهوية والخصوصية.
لذلك فإن ضبط سوق المحمول يجب ألا يُنظر إليه باعتباره حملة مؤقتة لإغلاق ثغرة محددة، وإنما باعتباره جزءًا من مشروع أكبر لبناء بيئة رقمية آمنة وموثوقة. وإذا نجحنا في تحويل الأزمة إلى مراجعة شاملة للمنظومة، وتشديد التحقق، ورفع كفاءة الرقابة، وتمكين المواطن من مراقبة بياناته، فإننا نكون قد حققنا شيئًا يتجاوز حل المشكلة الراهنة.
نكون قد وضعنا خطوة جديدة على طريق دولة رقمية لا تكتفي برقمنة الخدمات، وإنما تحرص أيضًا على صون الإنسان الذي وُجدت هذه الخدمات من أجله
دكتور /محمد عسكر
إستشارى نظم المعلومات والأمن السيبرانى

تم نسخ الرابط