حسن عابدين.. هرب من الإعدام وأنقذه الشعراوي من "كشك السجاير" وصنع نجوميته من "عش المجانين"
يمتلك ملامح جادة وصوت رخيم وقلب يحمل الطيبة، اعتاد الجمهور أن يراه في أدوار الأب والموظف والرجل صاحب المبادئ، هو "عبد الباقي الجوهري" في "أنا وانت وبابا في المشمش" و"عصفور" في أهلا أهلا بالسكان" والأب الحنون في "أبنائي الأعزاء شكراً" والباشا القاسي في "درب الهوى" وصاحب "عش المجانين" الشهير بـ"جاد الحق متولي عويس شبرا" تعددت الأدوار والموهبة واحدة، هو الفنان الكبير حسن عابدين.
البداية.. من بني سويف إلي فلسطين
ولد حسن عابدين في 28 يوليو 1931 بمحافظة بني سويف، وكان ترتيبه الرابع بين 15 من اخواته، وتنتمي جذور عائلته إلي شبه الجزيرة العربية، ظهرت موهبته في اللغة العربية والإلقاء منذ نعومة أظافره، وبدأ في التمثيل من خلال فرق المدرسة والمحافظة، لكن حياته تغير مسارها في 1948 عندما اندلعت الحرب في فلسطين وكان حسن عابدين وقتها شاب في الـ17 من عمره، إذ قرر أن يذهب إلي فلسطين مع المقاومة دون أن يخبر أسرته.
سافر سراً إلي الإسماعيلية مع مجموعة من الفدائيين المتطوعين وتلقى التدريبات قبل أن ينتقل إلي فلسطين، وهناك وجد نفسه وسط مشاهد يحتاج أضعاف عمره حتى يصدقها.
"كان بينام وسط الجثث".. سنوات من الرعب
في فلسطين عاش حسن عابدين تجربة قاسية لم تكن تشبه حياة شاب في عمره، إذ شاهد زملائه في المقاومة يتساقطون أمام عينه وكان ينام بين الجثث والأشلاء وعاش وسط أجواء الحرب لكنه استمر في المشاركة في الأعمال الفدائية لمدة عامين وشارك مع زملائه في عمليات ضد العصابات الصهيونية قبل أن يقع في الأسر هو و 4 من رفاقه.
تمت محاكمتهم في بلدية "حيفا" وحكم عليهم بالإعدام، لكن حسن عابدين نجا من الموت بمعجزة بعد أن دخل شاب إلي قاعة المحكمة وهدد بتفجيرها إذا لم يتم الإفراج عن المتهمين، وبالفعل تم إطلاق سراحهم وتمكن "عابدين" ورفاقه من الهرب والعودة إلي مصر.
استقال من المحكمة بحثاً عن المسرح
بعد عودته إلي مصر حصل حسن عابدين على الثانوية العامة، وعمل في محكمة بني سويف، لكن الوظيفة لم تكن حلمه وقرر الاستقالة وطلب نقله إلي وزارة الثقافة في القاهرة حيث المسرح والفرق الفنية ليكون بالقرب من حلمه القديم.
انضم للمسرح العسكري بعد ثورة يوليو 1952 ثم التحق بفرقة الفنان يوسف وهبي، وعمل مع الفرقة في عدد كبير من المسرحيات خلال فترة الخمسينيات، قبل أن ينتقل للعمل في المسرح الحديث والمسرح القومي.
صنع نجوميته من "عش المجانين" وترك بصمة في "أبنائي الأعزاء شكراً"
على مدار سنوات طويلة ترك حسن عابدين بصمته في المسرح والتلفزيون والسينما، إذ قدم مسرحيات حققت نجاح جماهيري أبرزها "عش المجانين" مع محمد نجم وكان أداء "عابدين" يجعلك تتحسس قلبك من فرط الضحك.
كما قدم "على الرصيف" و"نرجس" وعدد كبير من الأفلام أبرزها "ريا وسكينة" و"درب الهوى"ولمع في التلفزيون وكان المساحة التي اقترب فيها أكثر من الجمهور من خلال "في حاجة غلط" و"أهلاً بالسكان"و"أنا وانت وبابا في المشمش" مع فردوس عبد الحميد، وبرع في أداء دور الأب في "أبنائي الأعزاء شكراً" وكان في كل عمل يثبت أنه قادر على التلون ويجيد تقديم الشخصيات التي تحمل ملامح الإنسان المصري البسيط لكنه في الوقت نفسه كان قادراً على منحها حضور خاص جعل أدواره تعيش حتى بعد مرور سنوات طويلة على عرضها.
التراجيديا في حياة عابدين
رغم النجاح والشهرة لم تكن حياة حسن عابدين خالية من الأحزان والتراجيديا القاتمة فقد توفي شقيقه الأكبر أثناء دراسته في كلية الشرطة، بينما شقيقه الأصغر "ممدوح" كان ضابط احتياط واستشهد خلال حرب أكتوبر 1973، وشكلت وفاة شقيقه واحدة من أقسى اللحظات التي عاشها وباتت من الذكريات المؤلمة.
لحظة هزت حسن عابدين ودفعت به إلي الاعتزال
جاءت أكثر القرارات المفاجئة في حياة حسن عابدين وهو في قمة نجاحه عندما سافر لأداء العمرة ووقف أمام قبر الرسول ودخل في نوبة بكاء حتى تعرف عليه الحرس وأبعدوه عن المكان بعدما عرفوا أنه ممثل، وترك الموقف جرح عميق في نفسه وجعله يعيد التفكير في حياته ومسيرته الفنية، وبعد عودته إلي مصر فكر في الاعتزال وكان وقتها يشارك في بطولة مسرحية "عش المجانين".
فضل الابتعاد عن الناس وأغلق على نفسه باب غرفته ولم يكن يخرج إلا للصلاة في المسجد وبات يفكر فيما سيفعله بعد الفن، وعندما أخبر الفنان محمد نجم بقراره سأله" وهتشتغل إيه ياعم حسن؟" رد عليه بخفة ظله المعتادة "وأنت مالك هفتح كشك سجاير".
عندما قال له الشعراوي"لما الناس الحلوة تسيب الفن أومال الناس تسمع لمين"
اقترح عليه صديقه الفنان إبراهيم الشامي أن يذهب إلى الشيخ محمد متولي الشعراوي الذي كان يسكن بجواره في منطقة الجمالية وعندما ذهب حسن عابدين لزيارته وجد الشعراوي يصلى وبعد أن فرغ من صلاته وبمجرد أن رآه استقبله بحفاوة واحتضنه، تعجب حينها "عابدين" وسأله "أنت عارفني يا مولانا؟"، فأخبره أنه يعرفه ويشاهد أعماله، وعندما تحدث عن رغبته في اعتزال الفن، قال له الشعراوي" لما أنت والناس الحلوة اللي بتتكلم عن المبادئ يسيبوا الفن أمال الناس تسمع لمين؟".
كانت كلمات إمام الدعاة بسيطة لكنها أعادت حسن عابدين إلي الطريق الذي كاد أن يتركه وشعر وقتها أن الفن يمكن أن يكون رسالة وأن وجود فنان يتحدث عن المبادئ والقيم قد يكون له تأثير أكبر مما يتخيل.
وبعد هذا اللقاء قدم حسن عابدين حلقات بعنوان "نور الهدى"، تناولت عدد من القضايا الاجتماعية والمواقف اليومية من منظور ديني وكانت الحلقات تتبعها مداخلة للشيخ الشعراوي، يتحدث خلالها لمدة نصف ساعة يعلق على القضايا والأحداث التي تناولتها الحلقة، واستمرت العلاقة بين"الشيخ والفنان" حتى السنوات الأخيرة من حياة حسن عابدين.
النهاية
بعد انتهاء الموسم الصيفي من مسرحية "بولوتيكا" اكتشف الأطباء إصابة حسن عابدين بسرطان الدم وسافر إلي لندن لتلقي العلاج لكن حالته كانت قد وصلت إلي مرحلة متأخرة وكان الشيخ الشعراوي دائم الاتصال به في أيام مرضه، وبعد مرور شهر رحل في 6 نوفمبر 1989، وحرص الشعراوي على أداء صلاة الجنازة عليه، رحل حسن عابدين وترك خلفه أعمال شاهدة على موهبته ودعوات تلاحقه كما مر من على الشاشة.