في ذكرى وفاته ميلاديًا.. اللحظات الأخيرة في حياة النبي محمد ﷺ
تحلّ اليوم الذكرى الميلادية لوفاة النبي محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين، في الثامن من يونيو عام 632م، الموافق 12 ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة، عن عمر ناهز 63 عامًا، في حدثٍ مثّل محطة فارقة في تاريخ الإنسانية والإسلام.
جاء النبي محمد ﷺ رحمةً مهداة للعالمين، وقدّم نموذجًا إنسانيًا فريدًا جمع بين الرحمة والعدل، وبين الحزم في الحق والعفو عند المقدرة، ليبقى نهجه ممتدًا عبر الأجيال بوصفه التطبيق العملي للقيم القرآنية.
بدأت ملامح اللحظات الأخيرة في حياة النبي ﷺ عندما اشتد به المرض في صباح يوم الاثنين، وكان في بيت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، حيث أسندته إلى صدرها، لتكون شاهدة على اللحظات الأخيرة في حياته المباركة.
وفي سكرات الموت، أقرّ النبي ﷺ بحقيقة ما يلقاه الإنسان عند الانتقال إلى رحمة الله، ورفع إصبعه وبصره نحو السماء، فيما كانت كلماته الأخيرة التي روتها عائشة رضي الله عنها:
"اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى"، وكررها ثلاث مرات قبل أن تفارق روحه الدنيا ويلتحق بالرفيق الأعلى.
وقد وصف أنس بن مالك رضي الله عنه ذلك اليوم بقوله:
"ما رأيت يومًا كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول الله ﷺ، وما رأيت يومًا كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه رسول الله ﷺ".
ويروي أنس بن مالك رضي الله عنه مشهدًا مؤثرًا وقع قبيل الوفاة، حين كان المسلمون في صلاة الفجر وأبو بكر الصديق رضي الله عنه يؤمّهم، فإذا بالنبي ﷺ يكشف ستر حجرة عائشة وينظر إلى أصحابه في الصفوف، مبتسمًا مطمئنًا.
فهمّ أبو بكر بالرجوع ليتأخر عن الإمامة، لكن النبي ﷺ أشار إليه أن أتم صلاته، ثم عاد إلى حجرته وأرخى الستر، لتكون تلك اللحظات آخر ظهور له بين أصحابه قبل بدء مرحلة الاحتضار.
وفي مشهد إنساني بالغ التأثير، طلب النبي ﷺ السواك قبل وفاته بلحظات، فأخذته عائشة رضي الله عنها ولينته له، حتى استخدمه، وكأنّه يودّع الدنيا على طهارةٍ كاملة.
ثم رفع يده أو إصبعه، وشخص بصره إلى سقف الحجرة، وتحركت شفتاه بالدعاء:
"مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى"، وظل يكرر “الرفيق الأعلى” حتى خمد صوته، ومالت يده، ولحقت روحه الطاهرة بالملأ الأعلى.
لم تكن لحظات الوفاة إلا امتدادًا لسيرة طويلة من الرحمة والعفو، حيث شكّل النبي ﷺ نموذجًا إنسانيًا فريدًا في التسامح، حتى مع أعدائه.
فتح مكة.. العفو عند القمة
عند دخول مكة فاتحًا، وقف النبي ﷺ أمام من آذوه وحاربوه، وسألهم: ما ترون أني فاعل بكم؟، فأجابوا: “أخ كريم وابن أخ كريم”، فقال كلمته التاريخية:
"اذهبوا فأنتم الطلقاء"، في مشهد غير مجرى التاريخ الإنساني.
وفي حادثة نادرة، حين حاول أحد المشركين اغتياله وهو نائم، تمكن النبي ﷺ من الإمساك به، لكنه لم ينتقم، بل عفا عنه وتركه، ليظل العفو سمة راسخة في شخصيته.
العفو عن الأذى حتى من اليهود
كما عفا عن المرأة اليهودية التي سمّمته، رغم اعترافها بمحاولة قتله، وكذلك عفا عن اليهودي الذي سحره، ولم يأمر بمعاقبتهما، في تجسيد عملي لقيم التسامح النبوي.
الدعاء لمن آذاه
وفي غزوة أحد، رغم ما أصابه من جراح، رفع النبي ﷺ يديه بالدعاء:
"اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"، ليحوّل الألم إلى دعاء بالهداية لا بالانتقام.
منهج حياة.. العفو والعدل معًا
لم يكن العفو في حياة النبي ﷺ ضعفًا، بل كان منهجًا متوازنًا يجمع بين الرحمة والعدل؛ فعفا عمّن أساء إليه شخصيًا، وطبق أحكام الله في مواضع الحق العام لحماية المجتمع.
اقرأ أيضاً.. دعاء التوفيق في امتحانات الثانوية الأزهرية.. كلمات تفتح أبواب النجاح وتبدد القلق

