دار الإفتاء توضح حكم شراء الأضحية بالتقسيط وشروط جواز الاستدانة
مع اقتراب حلول عيد الأضحى المبارك كل عام، تعود الأسئلة الفقهية المتعلقة بالأضحية إلى الواجهة، خاصة في ظل الارتفاع المستمر في أسعار الماشية والظروف الاقتصادية التي تدفع كثيرًا من الأسر إلى البحث عن وسائل مختلفة لتأدية هذه الشعيرة المباركة دون الوقوع في أزمات مالية مرهقة.
ومن بين أكثر الأسئلة تداولًا بين المواطنين خلال هذه الفترة، يبرز التساؤل حول مدى جواز شراء الأضحية بالتقسيط أو عن طريق الاستدانة، وهل يجوز للمسلم أن يتحمل دينًا من أجل إحياء سنة الأضحية، أم أن ذلك قد يوقعه في حرج لا تريده الشريعة الإسلامية؟
وفي هذا الإطار، أوضح الشيخ عويضة عثمان، أمين الفتوى بـ دار الإفتاء المصرية، الحكم الشرعي المتعلق بهذه القضية، مؤكدًا أن الإسلام دين يسر ورحمة، وأن الشريعة راعت ظروف الناس المعيشية والمالية، ولم تجعل أداء الأضحية سببًا في إثقال كاهل الإنسان بالديون أو تحميله ما لا يستطيع تحمله.
وأكد أمين الفتوى أن الأضحية تُعد من السنن المؤكدة والشعائر العظيمة التي يتقرب بها المسلم إلى الله سبحانه وتعالى، وهي من الأعمال التي تحمل معاني الطاعة والتكافل وإدخال السرور على الفقراء والمحتاجين، إلا أنها في الوقت ذاته ليست فرضًا على من لا يملك القدرة المالية.
وأوضح أن الإسلام لم يفرض الأضحية على الإنسان غير المستطيع، بل جعلها مرتبطة بالقدرة والاستطاعة، حتى لا تتحول العبادة إلى عبء نفسي أو مالي يرهق الإنسان وأسرته.
وأشار إلى أن كثيرًا من الناس يخلطون بين السنة المؤكدة والواجب، فيظنون أن ترك الأضحية بسبب ضيق الحال يُعد تقصيرًا أو ذنبًا، وهو أمر غير صحيح شرعًا، لأن الله سبحانه وتعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها.
وخلال تصريحات تلفزيونية، شدد الشيخ عويضة عثمان على أن الأصل في الديون أنها مسؤولية عظيمة، ولذلك لا ينبغي للإنسان أن يدخل في التزامات مالية جديدة دون دراسة دقيقة لقدراته وإمكاناته.
وأوضح أن الشريعة الإسلامية حذّرت من التوسع في الديون دون حاجة أو قدرة، لأن الدين قد يتحول إلى مصدر قلق وضغط نفسي، وربما يؤدي إلى النزاعات أو العجز عن الوفاء بحقوق الناس.
وأضاف أن البعض قد يندفع بحسن نية ورغبة صادقة في إحياء سنة الأضحية، فيقوم بالاقتراض أو الشراء بالتقسيط رغم عدم امتلاكه مصدرًا واضحًا للسداد، وهو ما قد يوقعه بعد العيد في أزمات مالية صعبة.
وأكد أن التقرب إلى الله لا ينبغي أن يكون سببًا في إلحاق الضرر بالنفس أو بالأسرة، فالشريعة قائمة على التيسير ورفع الحرج، وليس على المشقة والتعسير.
وفي المقابل، أوضح أمين الفتوى أن شراء الأضحية بالتقسيط أو الاستدانة من أجلها يجوز شرعًا إذا كان الإنسان مطمئنًا إلى قدرته على السداد، ولديه ما يغلب على ظنه بأنه سيتمكن من الوفاء بالأقساط أو الدين في موعده.
وأشار إلى أن من أمثلة ذلك أن يكون للشخص مبلغ مالي مستحق سيحصل عليه بعد فترة قصيرة، أو يكون مشتركًا في جمعية مالية وسيأتيه دور القبض بعد العيد، أو يمتلك دخلًا ثابتًا ومستقرًا يمكنه من الوفاء بالتزاماته دون أن يتعرض لضيق شديد.
وأوضح أن مثل هذه الحالات لا يوجد فيها حرج شرعي، لأن الإنسان هنا لا يدخل في مغامرة مالية مجهولة، وإنما يعتمد على موارد واضحة ومضمونة تساعده على السداد.
كما أشار الشيخ عويضة عثمان إلى أهمية أن يكون قرار شراء الأضحية بالتقسيط قائمًا على الوضوح والتفاهم داخل الأسرة، حتى لا يتحول الأمر لاحقًا إلى عبء يسبب المشكلات أو الخلافات.
وأكد أن من الأفضل أن يكون أهل البيت على علم بالوضع المالي الحقيقي، وأن تتم عملية الشراء وفق حسابات واقعية بعيدة عن المبالغة أو المجاملة الاجتماعية.
وأضاف أن بعض الأسر قد تلجأ إلى الاستدانة فقط لمجاراة الآخرين أو خوفًا من نظرة المجتمع، رغم عدم قدرتها الفعلية على السداد، وهو أمر لا يتفق مع مقاصد الشريعة التي تدعو إلى الاعتدال وعدم التكلف.
وأوضح أمين الفتوى أن من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية رفع الحرج عن الناس والتخفيف عنهم، ولذلك لم تجعل الأضحية واجبة على من لا يستطيعها، بل تركت الباب مفتوحًا أمام المسلم ليؤديها بحسب قدرته واستطاعته.
وأشار إلى أن المقصود الحقيقي من الأضحية ليس مجرد الذبح في حد ذاته، وإنما ما تحمله هذه الشعيرة من معاني الإيمان والطاعة والتقرب إلى الله وإدخال الفرحة على المحتاجين.
وأضاف أن الإنسان إذا لم يكن قادرًا على شراء الأضحية دون مشقة أو ديون مرهقة، فلا إثم عليه إطلاقًا، لأن الله تعالى يعلم أحوال عباده وقدراتهم، ولا يطلب منهم ما يعجزون عنه.