رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

الأزهر يوضح كيف طاف النبي ﷺ بالبيت عند القدوم إلى مكة

الكعبة المشرفة
الكعبة المشرفة

مع اقتراب موسم الحج وتوافد ملايين المسلمين إلى الأراضي المقدسة، تتجدد الأسئلة حول الكيفية التي أدى بها سيدنا رسول الله ﷺ مناسك الحج والطواف حول الكعبة المشرفة، باعتبارها النموذج الأكمل الذي يقتدي به المسلمون في عباداتهم وشعائرهم.

وفي هذا السياق، كشف مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية تفاصيل صفة طواف النبي ﷺ بالبيت الحرام عند قدومه إلى مكة المكرمة، موضحًا السنن النبوية التي صاحبت هذا المشهد الإيماني العظيم، بداية من دخول المسجد الحرام، وحتى الطواف والسعي بين الصفا والمروة.

وأكد المركز أن طواف النبي ﷺ لم يكن مجرد حركة حول الكعبة، بل كان عبادة عظيمة امتلأت بالأذكار والخشوع والاتباع الكامل لأوامر الله سبحانه وتعالى، لتتحول كل خطوة إلى درس عملي في السكينة والطاعة والتجرد لله عز وجل.

وأوضح الأزهر للفتوى أن سيدنا رسول الله ﷺ دخل مكة المكرمة في اليوم الرابع من شهر ذي الحجة، في مشهد مهيب استقبلته فيه القلوب قبل الأبصار، حيث توجه مباشرة إلى المسجد الحرام بعد أن أناخ راحلته عند باب المسجد.

وبمجرد دخوله إلى البيت العتيق، بدأ النبي ﷺ أول مناسكه باستلام الحجر الأسود، إيذانًا ببدء الطواف حول الكعبة المشرفة، وهي السنة التي يحرص المسلمون على الاقتداء بها حتى اليوم.

وأشار المركز إلى أن النبي ﷺ بدأ الطواف جاعلًا الكعبة عن يساره، ومضى عن يمينه، ثم قام بالرَّمَل في الأشواط الثلاثة الأولى، وهو نوع من الإسراع في المشي مع تقارب الخطوات وإظهار النشاط والقوة.

وبيّن علماء الأزهر أن الرَّمَل المقصود في الطواف هو الإسراع الخفيف في المشي مع تقارب الخطى، دون الوصول إلى الجري الكامل، وهو من السنن النبوية الخاصة بطواف القدوم.

وقد فعل النبي ﷺ ذلك في الأشواط الثلاثة الأولى، ثم مشى بعد ذلك على هيئته المعتادة في الأشواط الأربعة الباقية بهدوء وسكينة.

واستشهد المركز بما رواه الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، إذ قال:
رأيتُ رسولَ الله ﷺ حين يقدم مكة إذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف يخبُّ ثلاثة أطواف من السبع.
وهو الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، ويُعد من أوضح الروايات التي نقلت كيفية طواف النبي ﷺ عند قدومه إلى مكة.

ومن أعظم المشاهد الإيمانية التي كشف عنها الأزهر، ما كان يردده النبي ﷺ أثناء الطواف بين الركن اليماني والحجر الأسود، حيث كان يدعو بالدعاء الجامع الذي جمع خيري الدنيا والآخرة.

وكان النبي ﷺ يقول في كل شوط:

{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}

وهي الآية الواردة في سورة البقرة، والتي تعد من أكثر الأدعية شمولًا وعظمة، إذ تجمع للمؤمن صلاح الدنيا ونجاة الآخرة في كلمات قليلة عظيمة المعاني.

وأوضح علماء الأزهر أن تكرار هذا الدعاء أثناء الطواف يكشف عن عمق الصلة بالله تعالى، ويؤكد أن الحج ليس مجرد حركات ظاهرة، بل هو عبادة قلبية وروحية عظيمة.

وبعد انتهاء النبي ﷺ من الطواف، توجه إلى مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام، حيث تلا قول الله تعالى {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}


وأشار الأزهر إلى أن النبي ﷺ رفع صوته بالآية ليسمع الناس، تعليمًا لهم وإرشادًا إلى السنة النبوية في هذا الموضع المبارك.

ثم جعل مقام إبراهيم بينه وبين الكعبة المشرفة، وصلى ركعتين خفيفتين، قرأ في الركعة الأولى سورة الفاتحة وسورة الكافرون، بينما قرأ في الركعة الثانية سورة الفاتحة وسورة الإخلاص.

ويؤكد الفقهاء أن هاتين الركعتين تُعدان من السنن المؤكدة بعد الطواف، لما فيهما من إحياء لذكر الله وشكر نعمته بعد أداء هذه العبادة العظيمة.

ولم تنتهِ المناسك عند هذا الحد، بل توجه النبي ﷺ بعد الصلاة إلى بئر زمزم، فشرب من مائها المبارك، ثم صب الماء على رأسه الشريف.

ويُعد ماء زمزم من أعظم شعائر المسجد الحرام، وقد ارتبط في الوجدان الإسلامي بمعاني البركة والشفاء والرحمة، لذلك يحرص الحجاج والمعتمرون على الاقتداء بالنبي ﷺ في الشرب منه والدعاء عنده.

وأوضح الأزهر أن النبي ﷺ عاد بعد ذلك مرة أخرى إلى الركن الأسود فاستلمه، في صورة تعكس الارتباط الكامل بالكعبة المشرفة وشعائر الله تعالى.

وأشار المركز إلى أن النبي ﷺ بعد الانتهاء من الطواف وصلاة الركعتين وشرب زمزم، انتقل إلى السعي بين الصفا والمروة، استكمالًا لمناسك الحج والعمرة.

واستشهد بما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:
«أن رسول الله ﷺ كان إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم سعى ثلاثة أطواف، ومشى أربعة، ثم سجد سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة».

وهو الحديث الذي رواه الإمام البخاري، ويُعد من الأحاديث الجامعة التي نقلت ترتيب مناسك النبي ﷺ بدقة شديدة.

لماذا يحرص المسلمون على معرفة صفة طواف النبي ﷺ؟

ويرى علماء الشريعة أن معرفة كيفية أداء النبي ﷺ للمناسك ليست مجرد معلومات تاريخية، بل هي جزء أساسي من فهم العبادة الصحيحة، خاصة أن النبي ﷺ قال في الحديث الشريف:
«خذوا عني مناسككم»

ولهذا يحرص المسلمون في كل عام على تعلم السنن النبوية المتعلقة بالحج والطواف والسعي، حتى تكون عباداتهم موافقة لهدي النبي الكريم ﷺ.

كما تؤكد المؤسسات الدينية أن الاقتداء بالنبي ﷺ في الطواف يمنح المسلم شعورًا عظيمًا بالقرب الروحي، إذ يسير الحاج أو المعتمر على النهج نفسه الذي سار عليه رسول الله ﷺ قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا.

ويبقى الطواف حول الكعبة المشرفة واحدًا من أعظم المشاهد التعبدية التي يعيشها المسلم في حياته، حيث تمتزج الدموع بالدعوات، وتلتقي القلوب على حب الله وتعظيم بيته الحرام.
 

تم نسخ الرابط