رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

الإفتاء توضح حكم التصوير أثناء الحج والعمرة.. بين الجواز الشرعي والحفاظ على قدسية المناسك

الحج والعمرة
الحج والعمرة

مع التطور الكبير في استخدام الهواتف الذكية وانتشار منصات التواصل الاجتماعي، تحوّل التصوير خلال أداء مناسك الحج والعمرة إلى ظاهرة لافتة داخل الحرم المكي والمشاعر المقدسة، حيث يحرص كثير من الحجاج والمعتمرين على توثيق لحظاتهم الإيمانية بالصور ومقاطع الفيديو، سواء للاحتفاظ بالذكريات أو مشاركتها مع الأهل والأصدقاء عبر مواقع التواصل.

وفي ظل هذا الانتشار الواسع، تزايدت التساؤلات حول الحكم الشرعي للإفراط في التصوير أثناء أداء المناسك، ومدى تأثير ذلك على روح العبادة والخشوع، وهو ما دفع دار الإفتاء المصرية إلى توضيح الرؤية الشرعية المتعلقة بهذه القضية التي أصبحت حاضرة بقوة في مواسم الحج والعمرة.

أكدت دار الإفتاء المصرية أن التصوير أثناء أداء مناسك الحج والعمرة جائز شرعًا في أصله، ولا حرج فيه ما دام يتم في إطار من الاحترام والالتزام بالضوابط الشرعية والآداب العامة داخل الأماكن المقدسة.

لكن الإفتاء شددت في الوقت نفسه على أن المبالغة في التصوير والانشغال الزائد به قد يتحول إلى أمر غير محمود، خاصة إذا تسبب في تعطيل حركة الطائفين والساعين أو أدى إلى إيذاء الآخرين وإرباكهم أثناء أداء المناسك.

وأوضحت أن بعض الحجاج قد يقفون لفترات طويلة لالتقاط الصور التذكارية أو تصوير مقاطع الفيديو داخل أماكن تشهد كثافات بشرية عالية، وهو ما قد يوقع الآخرين في الحرج والمشقة، لا سيما كبار السن وأصحاب الحالات الصحية الخاصة الذين يحتاجون إلى تسهيل الحركة وعدم إعاقة المرور.

وأشارت دار الإفتاء إلى أن وجود المسلم في الأماكن المقدسة، وعلى رأسها المسجد الحرام، يفرض عليه الالتزام بالأدب والسكينة وتعظيم شعائر الله، فالمقام ليس مجرد رحلة عادية أو مناسبة اجتماعية، وإنما عبادة عظيمة ينبغي أن يغلب عليها الخشوع والانشغال بالطاعة والذكر والدعاء.

وأكدت أن الحاج أو المعتمر ينبغي أن يستشعر هيبة المكان وعظمته، وأن يجعل قلبه حاضرًا أثناء أداء المناسك، بعيدًا عن الانشغال المفرط بالتصوير أو متابعة التعليقات والمنشورات الإلكترونية.

كما أوضحت أن المقصود الأعظم من الحج هو تحقيق العبودية الكاملة لله سبحانه وتعالى، والتجرد من مظاهر الدنيا والانشغال بالقرب من الله، ولذلك فإن الإكثار من التصوير بطريقة تشتت القلب قد يحرم المسلم من كثير من الأجواء الروحية والإيمانية التي يتميز بها الحج

لفتت الإفتاء إلى أن الحاج كلما كان أكثر خشوعًا وإقبالًا على الله، كان أقرب إلى نيل الحج المبرور، الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ليس له جزاء إلا الجنة.

وأوضحت أن تصوير بعض اللحظات التذكارية بصورة معتدلة لا حرج فيه، لكن تحويل المناسك إلى جلسات تصوير متواصلة أو بث مباشر دائم قد يفقد العبادة روحها ومعناها الحقيقي، ويجعل الإنسان منشغلًا بنظرة الناس إليه أكثر من انشغاله بعلاقته بالله سبحانه وتعالى.

وفي سياق متصل، تحدث علي جمعة عن واجبات الحج وأحكامه، موضحًا أن أول واجبات الحج يبدأ بالإحرام من الميقات المحدد شرعًا، مؤكدًا أنه لا يجوز للحاج تجاوز الميقات دون إحرام.

وبيّن أن المواقيت تنقسم إلى نوعين: ميقات زماني وميقات مكاني.

الميقات الزماني للحج

أوضح علي جمعة أن الميقات الزماني للحج يبدأ من شهر شوال، ويمتد طوال شهر ذي القعدة وحتى الأيام التسعة الأولى من شهر ذي الحجة.

وأشار إلى أن نية الحج لا تصح قبل هذه الأشهر، فمن نوى الحج قبل دخولها، كأن ينوي في رمضان مثلًا، فإن هذه النية لا تُعد صحيحة للحج.

الميقات المكاني وحدود الإحرام

أما الميقات المكاني، فأوضح أنه يمثل حدودًا جغرافية تحيط بالحرم المكي، لا يجوز للحاج تجاوزها إلا وهو مُحرم.

وبيّن أن هذه المواقيت حددها النبي صلى الله عليه وسلم للقادمين من مختلف الجهات، وهي معروفة منذ عهد النبوة وحتى اليوم.

المواقيت المكانية للقادمين إلى مكة

استعرض علي جمعة المواقيت الشرعية المعروفة للحجاج والمعتمرين، موضحًا أن لكل جهة ميقاتًا محددًا، وهي:

ميقات أهل المدينة: ذو الحليفة، المعروف حاليًا بأبيار علي.

ميقات القادمين من مصر والشام: الجحفة، ويُحرم الناس اليوم من رابغ.

ميقات أهل اليمن: يَلَمْلَم.

ميقات أهل العراق: ذات عِرق.

ميقات أهل نجد: قَرْن الثعالب.


وأكد أن من تجاوز الميقات دون إحرام، فعليه دم، أي ذبح شاة تُوزع على الفقراء، فإن لم يستطع، صام ثلاثة أيام في الحرم وسبعة أيام بعد عودته إلى بلده.

هل يجوز الإحرام قبل الميقات؟

وأشار مفتي الجمهورية الأسبق إلى أن الأفضل أن يبدأ المسلم إحرامه عند الميقات المحدد، لكنه أوضح في الوقت نفسه أن الإحرام قبل الوصول إلى الميقات جائز ولا مانع منه شرعًا، لأن المقصود الأساسي هو ألا يدخل الحاج حدود الميقات إلا وهو مُحرم.

رمي الجمرات.. ثاني واجبات الحج

وتناول علي جمعة أيضًا مسألة رمي الجمرات، موضحًا أنها من واجبات الحج الأساسية، حيث يقوم الحاج برمي الجمرات الثلاث خلال أيام التشريق، بينما تُرمى الجمرة الكبرى فقط يوم النحر.

وبيّن أن الحاج يرمي سبع حصوات يوم العيد، ثم إحدى وعشرين حصاة في كل يوم من أيام التشريق الثلاثة، ليصل إجمالي الحصوات إلى سبعين حصاة.

أحكام ترك الرمي والفدية الواجبة

وأوضح أن من ترك الرمي كله فعليه دم، أما إذا ترك بعض الحصوات فقط فالأمر يختلف بحسب مقدار ما تركه.

وأشار إلى أن من رمى أقل من العدد المطلوب بصورة يسيرة فلا حرج عليه، أما إذا نقص الرمي بشكل مؤثر، فتجب عليه الفدية أو إطعام المساكين وفق التفصيلات الفقهية المعروفة.

التيسير في أوقات الرمي بسبب الزحام

وأكد علي جمعة أن رمي الجمرات يجوز على مدار اليوم كاملًا، وليس مقصورًا على ساعات محددة، خاصة مع الأعداد الضخمة التي يشهدها موسم الحج في العصر الحديث.

وأوضح أن هذا الرأي مأخوذ عن التابعي الجليل طاووس بن كيسان، أحد كبار تلامذة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

وشدد على ضرورة مراعاة الواقع المعاصر والزحام الشديد الذي تشهده المشاعر المقدسة، مؤكدًا أن التيسير على الناس مقصد شرعي معتبر، خاصة مع الزيادة الهائلة في أعداد الحجاج القادمين من مختلف أنحاء العالم.

 

تم نسخ الرابط