اجتياح دعوي غير مسبوق.. الأوقاف تُعيد رسم خريطة الوعي بـ10 آلاف إمام
في خطوة توصف بأنها الأوسع من نوعها في تاريخ العمل الدعوي الحديث، دشّنت وزارة الأوقاف خطة متكاملة تحت عنوان «المساجد المحورية»، مستهدفة جميع المديريات الإقليمية على مستوى الجمهورية، في محاولة جادة لإعادة تنظيم الخطاب الديني ميدانيًا، وتعزيز حضوره داخل القرى وأحياء المدن بصورة أكثر انتظامًا وتأثيرًا.
هذه الخطوة لا تأتي بمعزل عن سياق عام تعمل فيه الدولة على تجديد الخطاب الديني، بل تعكس توجهًا مؤسسيًا واضحًا لإعادة المسجد إلى قلب المشهد المجتمعي، ليس فقط كمكان للعبادة، وإنما كمنصة توعوية وتربوية تسهم في تشكيل وعي المواطنين ومواجهة التحديات الفكرية والسلوكية.
تعتمد خطة «المساجد المحورية» على تحويل عدد كبير من المساجد إلى مراكز إشعاع دعوي نشط، بحيث تصبح نقاط ارتكاز أساسية لنشر الفكر الوسطي المعتدل، من خلال برامج دعوية منظمة تشمل الدروس والمحاضرات والندوات التثقيفية.
وتسعى الوزارة من خلال هذا التحرك إلى تحقيق تواجد فعلي ومستمر للأئمة في الشارع، بحيث لا يقتصر دورهم على أداء الصلوات والخطب، بل يمتد إلى التفاعل المباشر مع قضايا المجتمع اليومية، والاستجابة لتحدياته الفكرية والسلوكية، بما يعزز الثقة بين المواطن والمؤسسة الدينية.
الزي الأزهري والانضباط الدعوي: رسائل ميدانية تعزز الثقة
ومن بين أبرز ملامح هذه الخطة، التأكيد على التزام الأئمة بالزي الأزهري خلال تواجدهم الميداني، باعتباره رمزًا للوسطية والاعتدال، ورسالة بصرية تعزز من مكانة الإمام وهيبته في نفوس المواطنين.
كما تركز الخطة على رفع مستوى الانضباط داخل المنظومة الدعوية، من خلال متابعة الأداء وتقييمه بشكل دوري، بما يضمن تقديم خطاب ديني متوازن، بعيد عن التشدد أو التفريط، وقادر على مخاطبة مختلف فئات المجتمع بلغة واعية ومؤثرة.
بناء قاعدة جماهيرية للدعوة: من التفاعل اللحظي إلى الاستمرارية
لا تكتفي المبادرة بالتواجد المؤقت أو الأنشطة الموسمية، بل تستهدف بناء قاعدة جماهيرية منتظمة للدروس والمحاضرات داخل المساجد المحورية، بحيث تتحول هذه الأنشطة إلى جزء من الحياة اليومية للمواطن.
ويُتوقع أن يسهم هذا التوجه في خلق حالة من الاستقرار الدعوي، حيث يصبح المسجد مركزًا دائمًا للتعلم والتوجيه، وليس مجرد محطة عابرة لأداء الشعائر، وهو ما يعزز من تأثير الرسالة الدينية على المدى الطويل.
بالأرقام.. انتشار غير مسبوق يؤكد جدية التنفيذ
تكشف الأرقام الرسمية عن حجم غير مسبوق لهذا التحرك، حيث بلغ إجمالي عدد المساجد المشاركة في تنفيذ خطة «المساجد المحورية» نحو 3925 مسجدًا موزعة على مختلف محافظات الجمهورية.
أما على مستوى الكوادر البشرية، فقد وصل عدد الأئمة وخطباء المكافأة المشاركين في تنفيذ هذه الخطة إلى 10487 إمامًا وخطيبًا، وهو ما يعكس حجم الجهد التنظيمي والتعبئة البشرية التي تقف وراء هذه المبادرة.
هذه الأرقام لا تعكس فقط اتساع نطاق التنفيذ، بل تؤكد أيضًا أن الوزارة تسعى إلى إحداث تحول حقيقي في بنية العمل الدعوي، من خلال الانتقال من النمط التقليدي إلى نموذج أكثر ديناميكية وفاعلية.
تأتي هذه المبادرة في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى خطاب ديني متزن، قادر على مواجهة الأفكار المتطرفة، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وترسيخ قيم التعايش والتسامح.
ومن هنا، تركز وزارة الأوقاف على نشر الفكر الوسطي الرشيد، باعتباره حجر الأساس في بناء مجتمع متماسك، يحترم التنوع، ويواجه الانحرافات الفكرية بالحجة والعلم، لا بالصدام أو الإقصاء.
المسجد كمؤسسة تربوية: دور يتجاوز حدود العبادة
تعيد خطة «المساجد المحورية» التأكيد على أن المسجد ليس مجرد مكان لأداء الصلوات، بل مؤسسة تربوية متكاملة، تسهم في بناء الإنسان أخلاقيًا وفكريًا.