رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

إيران بعد خامنئي.. صراع مراكز القوة يمهّد لمرحلة جديدة في نظام الحكم

المرشد الأعلى في
المرشد الأعلى في إيران

تشهد الجمهورية الإسلامية الإيرانية مرحلة سياسية دقيقة قد تعيد تشكيل ملامح السلطة في البلاد وذلك عقب وفاة المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي وهي لحظة مفصلية توصف بأنها من أخطر مراحل انتقال السلطة منذ قيام النظام الإيراني بعد الثورة الإيرانية.
وفي ظل هذه التطورات، تتزايد التحليلات السياسية التي تشير إلى احتمال ظهور نموذج جديد للحكم في إيران يقوم على توزيع النفوذ بين مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية والسياسية بدلاً من احتكار السلطة بشكل شبه مطلق في يد المرشد الأعلى كما كان الحال خلال العقود الماضية.

وتطرح هذه المرحلة أسئلة عميقة حول مستقبل نظام ولاية الفقيه الذي يشكل الركيزة الأساسية لبنية النظام السياسي الإيراني في وقت تتداخل فيه الصراعات الداخلية مع تحديات إقليمية ودولية متصاعدة.

لحظة انتقال تاريخية في هرم السلطة الإيرانية

يعد منصب المرشد الأعلى في إيران حجر الزاوية في النظام السياسي للجمهورية الإسلامية إذ يجمع بين السلطات الدينية والسياسية والعسكرية.
ومع ذلك فإن انتقال السلطة في هذا المنصب لم يحدث تاريخيًا إلا مرة واحدة فقط، عندما تولى علي خامنئي المنصب عام 1989 عقب وفاة مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني.

ذلك الانتقال كان آنذاك نقطة تحول كبيرة في مسار الدولة الإيرانية حيث تولى خامنئي قيادة البلاد خلال مرحلة حساسة أعقبت عقدًا من التحولات الثورية والحروب الإقليمية وأدار النظام عبر شبكة معقدة من المؤسسات الدينية والسياسية والعسكرية.

لكن المرحلة الحالية تبدو أكثر تعقيدًا إذ إن إيران اليوم ليست هي إيران الثمانينيات فقد تضاعفت مراكز القوة داخل الدولة، وتوسعت المؤسسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية التي باتت تشكل أقطابًا مؤثرة في صنع القرار

تحولات تدريجية في بنية الحكم

على مدى العقود الثلاثة الماضية، شهدت إيران تغيرات تدريجية في توزيع السلطة داخل النظام السياسي.
فبينما ظل منصب المرشد الأعلى يتمتع بسلطات دستورية واسعة بدأت السلطة الفعلية تتوزع بشكل غير رسمي بين عدة مؤسسات فاعلة.

ويبرز في مقدمة هذه المؤسسات الحرس الثوري الإيراني الذي تحوّل من قوة عسكرية أيديولوجية تأسست لحماية الثورة إلى مؤسسة ضخمة متعددة الأدوار تمتلك نفوذًا عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا واسعًا داخل الدولة.

كما لعبت أجهزة الاستخبارات والمؤسسات التنسيقية العليا دورًا متزايدًا في إدارة الأزمات وصياغة السياسات الاستراتيجية ما أدى تدريجيًا إلى تقليص الاعتماد على السلطة الشخصية للمرشد وحده.

نحو نظام قائم على شبكات النفوذ

تشير تحليلات سياسية غربية إلى أن النظام الإيراني بدأ بالفعل، قبل وفاة خامنئي في التحول نحو نموذج سياسي أكثر تعقيدًا يقوم على شبكة من مراكز القوة المتداخلة.

ويرى بعض الباحثين في الشأن الإيراني أن السلطة داخل النظام لم تعد تدار عبر شخص واحد فحسب بل عبر منظومة مؤسسات مترابطة تتشارك في إدارة الملفات الأمنية والعسكرية والسياسية.

وبحسب هذه الرؤية، فإن منصب المرشد الأعلى قد يبقى قائمًا من الناحية الشكلية إلا أن النفوذ الحقيقي قد يتوزع بين مجموعة من المؤسسات التي تمتلك أدوات القوة الفعلية، مثل المعلومات العسكرية والأمنية وإدارة العمليات الاستراتيجية.

نموذج محتمل: مرشد رمزي ونفوذ مؤسساتي واسع

في ضوء هذه التحولات، يتحدث بعض المحللين عن احتمال ظهور نموذج جديد للحكم في إيران، يقوم على وجود رجل دين رفيع المستوى يشغل منصب المرشد الأعلى رسميًا، بينما تتوزع السلطة الفعلية بين مؤسسات الدولة المختلفة.

هذا السيناريو قد يسمح للنظام بالحفاظ على الإطار الديني والسياسي الذي يقوم عليه وفي الوقت نفسه يتيح توزيع السلطة بطريقة تقلل من مخاطر الصراعات الداخلية على القيادة.

ومن شأن هذا النموذج أن يحافظ على رمزية المؤسسة الدينية في النظام مع منح المؤسسات الأمنية والعسكرية دورًا أكبر في إدارة شؤون الدولة، خاصة في ظل التحديات الإقليمية التي تواجهها إيران.

يعد الحرس الثوري الإيراني أحد أبرز الفاعلين في مرحلة ما بعد خامنئي إذ يتمتع بنفوذ هائل داخل مؤسسات الدولة.

فالحرس ليس مجرد قوة عسكرية تقليدية بل يمثل منظومة متكاملة تمتد إلى قطاعات اقتصادية واسعة، وشبكات سياسية وأمنية تؤثر في عملية صنع القرار داخل البلاد.

ويرى خبراء في شؤون الأمن الإقليمي أن المرحلة الحالية قد تمنح الحرس الثوري فرصة لتعزيز نفوذه داخل النظام ليس عبر انقلاب سياسي وإنما من خلال ضمان استمرارية النظام القائم مع توسيع دوره في إدارة الدولة.

كما قد يسعى الحرس إلى التأثير في مسار اختيار المرشد الجديد، أو حتى في توقيت الإعلان عن هذا الاختيار، بما يضمن الحفاظ على التوازنات الداخلية للنظام.

إدارة السلطة عبر مجالس وهيئات تنسيقية

من بين السيناريوهات المطروحة أيضًا أن يتم الاعتماد بشكل أكبر على مجالس القيادة المؤقتة أو الهيئات التنسيقية الأمنية لإدارة المرحلة الانتقالية.

هذه المجالس قد تضطلع بدور رئيسي في إدارة الملفات الحساسة، مثل الأمن القومي والسياسة الخارجية والعمليات العسكرية في حين يتم تأجيل اختيار المرشد الأعلى الدائم إلى حين استقرار الأوضاع السياسية والأمنية.

وقد يتم تبرير هذا التأجيل باعتبارات تتعلق بظروف الطوارئ أو بالحاجة إلى توافق أوسع داخل مؤسسات النظام حول الشخصية التي ستتولى هذا المنصب.

الجيش النظامي واستعادة النفوذ

إلى جانب الحرس الثوري، تلعب القوات المسلحة التقليدية الإيرانية، المعروفة باسم الجيش الإيراني، دورًا مهمًا في معادلة القوة داخل البلاد.

ورغم أن نفوذ هذا الجيش ظل تاريخيًا أقل من نفوذ الحرس الثوري فإنه استطاع خلال السنوات الأخيرة استعادة جزء من حضوره السياسي والعسكري، خاصة في ظل التوترات الإقليمية المتزايدة.

 

تم نسخ الرابط