رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

السادس من رمضان.. يوم نزول التوراة وبداية التحول من الرسالة إلى الشريعة المكتوبة

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

في كل عام، ومع حلول السادس من شهر رمضان، تعود كتب التاريخ الإسلامي لتفتح واحدة من صفحاتها المضيئة، حيث يلتقي البعد الديني العميق بالتحولات الحضارية الكبرى فهذا اليوم لا يُقرأ بوصفه تاريخًا عابرًا في التقويم الهجري، بل باعتباره محطة زمنية تختزن بين سطورها أحداثًا مفصلية شكّلت وجدان الأمة وأسهمت في صياغة مسارها الروحي والسياسي.

ويبرز في مقدمة هذه الوقائع حدث ذو طبيعة رسالية خالصة، ارتبط بسلسلة الوحي الإلهي وتعاقب الرسالات، وهو نزول التوراة على كليم الله موسى عليه السلام، في مشهد يمثل نقطة تحول فارقة في تاريخ التشريع الإلهي وبناء المجتمعات على أساس من الشريعة المكتوبة.

نزول التوراة

تجمع مصادر السيرة والتاريخ الإسلامي على أن السادس من رمضان شهد نزول التوراة على نبي الله موسى عليه السلام، في واقعة تُعد من أعظم محطات الرسالات السماوية.

فالتوراة لم تكن مجرد كتاب يُتلى، بل جاءت منظومة تشريعية متكاملة، تحمل الأحكام والحدود والفرائض، وتؤسس لبناء مجتمع منضبط بقانون إلهي واضح المعالم.

وقد ارتبط نزول التوراة بمرحلة دقيقة في تاريخ بني إسرائيل، بعد نجاتهم من بطش فرعون وخروجهم من مصر، حيث كان لا بد من انتقالهم من حالة الاضطهاد والتشرد إلى طور التكوين الجماعي المنظم فجاءت التوراة لتضع لهم إطارًا تشريعيًا يحكم شؤونهم، وينظم علاقتهم بربهم وبأنفسهم وبالآخرين.

ويمثل هذا التحول من الدعوة إلى التوحيد في بيئة مضطهدة، إلى إقامة مجتمع يستند إلى شريعة مكتوبة، نقلة نوعية في مسار الرسالات، إذ أصبحت العلاقة بين السماء والأرض مؤطرة بنصوص قانونية محددة، تُنظم تفاصيل الحياة اليومية، وتضبط حركة المجتمع.

موسى عليه السلام

يحظى سيدنا موسى عليه السلام بمكانة مركزية في التراث الإسلامي، وهو أكثر الأنبياء ذكرًا في القرآن الكريم وقد ارتبطت سيرته بسلسلة من المواجهات الحاسمة، بدءًا من صراعه مع فرعون رمز الطغيان، وصولًا إلى قيادته لبني إسرائيل في مرحلة التيه وإعادة التكوين.

لقد كان موسى عليه السلام نبيًا ورسولًا وقائدًا سياسيًا في آن واحد، وهو ما جعل تجربته فريدة في تاريخ الرسالات فقد جمع بين البلاغ عن الله، وإدارة شؤون قومه، ومواجهة الانحرافات الداخلية التي ظهرت بينهم بعد الخروج من مصر.

وجاء نزول التوراة تتويجًا لهذه المسيرة إذ لم تعد الرسالة مقتصرة على الدعوة العقدية المجردة، بل تحولت إلى شريعة مفصلة تحدد الواجبات والمحرمات، وتضع أسس العدل والقصاص والعبادات والمعاملات.

تُشير الروايات إلى أن التوراة نزلت على موسى عليه السلام في صورة ألواح، وهو رمز يحمل دلالات عميقة في الثقافة الدينية، إذ يعكس فكرة التدوين والتوثيق، ويؤكد أن التشريع لم يعد شفهيًا فحسب، بل أصبح مكتوبًا محفوظًا.

ويمثل هذا التحول أحد أهم ملامح التطور في مسار الرسالات السماوية، حيث انتقل الوحي من مرحلة البلاغ الشفهي المؤقت إلى النص المكتوب الملزم، الذي يُحتكم إليه عند النزاع، ويُرجع إليه في تنظيم شؤون المجتمع.

وقد شكّلت الشريعة الموسوية إطارًا شاملًا للحياة، شمل العبادات والحدود والأحكام المدنية، ما يعكس إدراكًا مبكرًا لأهمية القانون في استقرار المجتمعات.

ولم يكن الهدف من التشريع مجرد فرض قيود، بل إقامة مجتمع قائم على العدل والالتزام والمسؤولية الجماعية.

تم نسخ الرابط