رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

د. محمد عسكر يكتب: دعوة إلى قانون عربي مشترك لحماية بيانات المستخدمين

تفصيلة

في عصرٍ تتداخل فيه حياتنا اليومية مع الفضاء الرقمي، صارت كل خطوة نخطوها على الإنترنت، وكل رسالة نرسلها، وكل لعبة نلعبها، مادة قابلة للرصد والتحليل. بياناتنا الشخصية لم تعد مجرد أرقام أو ملفات، بل أصبحت سلعة ثمينة، ومرآة دقيقة لعاداتنا وأفكارنا وهويتنا. وفي الوقت الذي يزدهر فيه الاقتصاد الرقمي ويكتسح فيه العالم، ما زال المواطن العربي غالباً بلا حماية حقيقية، عارياً أمام جمع البيانات العابر للحدود، ومهدداً بانتهاك خصوصيته دون حسيب أو رقيب.

إن هذا الواقع يفرض علينا التساؤل: هل يكفي الانتظار حتى تفرض علينا المنصات العالمية قواعدها، أم آن الأوان أن نضع نحن القوانين لحماية أنفسنا؟ هذا السؤال يقود مباشرة إلى الحاجة الملحة لتشريع عربي مشترك يحمي البيانات والخصوصية الرقمية، والذى لم يعد مجرد خيار تقني أو اقتصادي، بل ضرورة حضارية وأخلاقية وسيادية لملايين العرب.

الفجوة العربية في حماية البيانات

المشهد الرقمي في العالم العربي يعكس تشتتاً قانونياً ووعياً متفاوتاً ، بعض الدول بدأت تشريع قوانين لحماية البيانات، ولكن التطبيق غالباً ضعيف، والرقابة محدودة، والمستخدم لا يعرف حقوقه كاملة. دول أخرى لا تزال بلا أي إطار قانوني واضح، فتظل البيانات الخاصة للمواطن العربي عرضة للتجميع، البيع، أو الاستخدام السياسي بدون ضوابط.
في الوقت نفسه، تهيمن الشركات والمنصات العالمية على حياتنا الرقمية، وتتصرف وفق قوانين دولها الأم، دون أن تأخذ في اعتبارها خصوصية المستخدم العربي أو معايير الثقافة والقيم المحلية. هذا التفاوت يعكس هشاشة سيادتنا الرقمية، ويجعل المواطن العربي الحلقة الأضعف في الاقتصاد الرقمي العالمي.
ما نحتاج إليه ليس تقليداً أعمى للغرب، بل صياغة عربية تراعي القيم المحلية، مع الالتزام بالمعايير الدولية لأمن البيانات وحقوق المستخدمين.

لماذا قانون عربي مشترك؟


البيانات الرقمية لا تعرف الحدود الوطنية، بينما قوانيننا الوطنية لا تزال مجزأة. هنا يأتي الدور الحيوي لقانون عربي مشترك يحقق:
1. توحيد المفاهيم الأساسية:  مثل تعريف البيانات الشخصية، موافقة المستخدم، حقه في الحذف أو الاعتراض، وحقه في معرفة كيفية استخدام بياناته.
2. حماية المواطن العربي:  من الاستغلال التجاري، السياسي، أو الأمني، سواء محلياً أو عبر المنصات العالمية.
3. تعزيز الثقة الرقمية:  بتوفير إطار قانوني موثوق، مما يشجع الاستثمار الرقمي العربي ويقلل المخاطر على المستخدمين.
4. تمكين الرقابة والتنفيذ:  عبر هيئة عربية مستقلة يمكنها تقييم الالتزام بالقانون ومساءلة الجهات المخالفة.
إن وجود إطار مشترك سيحول البيانات من عبء مخفي إلى عنصر منظم، يحمي الإنسان قبل أن يحمي الاقتصاد.

الطريق الواقعي نحو التشريع المشترك


لا يمكن إنكار أن التحديات السياسية والتنفيذية كبيرة، فأختلاف النظم القانونية والفلسفة السياسية، والهواجس الأمنية، وضعف المؤسسات الإقليمية، كلها عوامل تعرقل تبني قانون ملزم على مستوى العربى.


البديل الواقعي إذا هو مسار تدريجي:


• صياغة ميثاق عربي استرشادي لحماية البيانات كإطار مرجعي.
• مواءمة التشريعات الوطنية مع المبادئ الأساسية بدل توحيدها قسراً.
• إنشاء هيئة عربية استشارية مستقلة للبيانات تراقب الالتزام، تصدر تقارير عامة، وتعمل على نشر الوعي.
هذا المسار لا يكتفي بالقوانين، بل يشمل تثقيف المجتمع العربي على الخصوصية الرقمية، بما يشمل الأطفال، الطلاب، والبالغين، لربط الحقوق بالقيم والأخلاق.
إن غياب قانون عربي مشترك لا يعني حياداً، بل يعني ترك المواطن العربي مكشوفاً في عالم رقمي متسارع. الخصوصية ليست رفاهية، وليست عائقاً للتقدم، بل شرط حضاري وأخلاقي وسيادي.
آن الأوان أن يتحرك العالم العربي بشكل جماعي، ليضع الإطار القانوني الذي يحمي بيانات ملايين المواطنين، ويمنحهم السيطرة على حياتهم الرقمية، قبل أن تتحول حياتهم كلها إلى مجرد بيانات تُستغل بلا رقيب ولا ضابط.
إن تبني قانون عربي مشترك لحماية البيانات والخصوصية الرقمية لم يعد خياراً مستقبلياً، بل ضرورة ملحّة اليوم، لحماية كرامة الإنسان العربي، وتعزيز سيادته في العالم الرقمي.

دكتور /محمد عسكر
إستشارى نظم المعلومات والأمن السيبرانى

تم نسخ الرابط