الجمعيات الزراعية.. حائط الصد الأول لحماية الفلاح وقلب النهضة الزراعية في الريف المصري
في عمق الريف المصري، حيث تتشابك حياة الفلاح مع الأرض والمواسم والمخاطر، تعمل منظومة مؤسسية راسخة لم تتوقف يومًا عن أداء دورها، حتى وإن غابت أحيانًا عن دوائر الضوء.
هذه المنظومة هي الجمعيات التعاونية الزراعية، التي تمثل أحد أهم أعمدة الزراعة المصرية، وتؤدي دورًا محوريًا في واحدة من أكثر القضايا حساسية وتأثيرًا على مستقبل الدولة: الزراعة والأمن الغذائي.
على مدار سنوات طويلة، ظلت الجمعيات الزراعية همزة الوصل اليومية بين الفلاح والدولة، والنافذة التي يطل منها المزارع على السياسات الزراعية، ومخزن الثقة الأول في كل ما يتصل بالإنتاج، وتنظيم الحيازات، وتوفير مستلزمات الزراعة في توقيتها المناسب.
عودة الجمعيات إلى صدارة المشهد الزراعي
مع تعقّد التحديات الاقتصادية العالمية، وارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج، وتزايد الأعباء الواقعة على كاهل صغار المزارعين، عادت الجمعيات الزراعية لتفرض نفسها بقوة كأداة تنفيذية لا غنى عنها في مسار النهضة الزراعية هذا الحضور المتجدد لم يكن صدفة، بل نتيجة إدراك متزايد بأن أي محاولة جادة للنهوض بالزراعة لا يمكن أن تنجح دون الاعتماد على مؤسسات تمتلك حضورًا ميدانيًا حقيقيًا وقدرة مباشرة على التعامل مع الواقع الزراعي لحظة بلحظة.
الجمعيات، بحكم انتشارها وارتباطها اليومي بالفلاحين، باتت خط الدفاع الأول في مواجهة تداعيات الأزمات، سواء كانت أزمات أسعار، أو نقص مدخلات، أو اختلالات في منظومة التوزيع.
شبكة ممتدة في كل القرى وقدرة لا ينافسها أحد
تنتشر الجمعيات الزراعية في مختلف المحافظات، من دلتا النيل إلى صعيد مصر، ومن الأراضي القديمة إلى مناطق الاستصلاح الجديدة، لتكوّن شبكة ميدانية متكاملة تخدم ملايين الحائزين. هذا الانتشار الجغرافي الواسع منحها ميزة استراتيجية لا تتوافر لأي جهة أخرى، وهي الوصول المباشر للفلاح داخل قريته دون وسطاء أو حلقات بيروقراطية معقدة.
وجود الجمعية الزراعية داخل القرية لم يكن مجرد وجود إداري أو شكلي، بل تحوّل مع الوقت إلى نقطة ارتكاز أساسية يعتمد عليها الفلاح في تنظيم أرضه، ومعرفة التزاماته، والحصول على احتياجاته الأساسية خلال مواسم الزراعة والحصاد، ومواجهة أي طارئ قد يهدد محصوله أو مصدر رزقه.
تحول نوعي في الأدوار: من خدمات تقليدية إلى شريك تنموي
لم يعد دور الجمعيات الزراعية محصورًا في صرف الأسمدة أو توزيع التقاوي كما كان الحال في الماضي، بل شهد تطورًا لافتًا ليشمل أدوارًا أكثر عمقًا وتأثيرًا في بنية القطاع الزراعي، من بينها:
تنظيم الحيازات الزراعية وضبط البيانات بدقة، بما يضمن عدالة التوزيع ويمنع التلاعب أو ازدواجية الصرف.
متابعة التركيب المحصولي بما يحقق التوازن بين احتياجات السوق ومتطلبات الأمن الغذائي، ويحد من العشوائية في الزراعة.
المشاركة في برامج ترشيد المياه ونشر أساليب الري الحديث، في مواجهة تحديات ندرة الموارد المائية.
دعم الزراعة التعاقدية في عدد من المحاصيل الاستراتيجية، بما يضمن للفلاح تسويقًا عادلًا ومستقرًا، ويقلل من مخاطر تقلب الأسعار.
هذا التحول النوعي جعل الجمعيات الزراعية جزءًا أصيلًا من عملية التخطيط والتنفيذ، وشريكًا فعليًا في إدارة المنظومة الزراعية، وليس مجرد جهة خدمية هامشية.
توفير مستلزمات الإنتاج… مظلة حماية من تقلبات السوق
يُعد توفير مستلزمات الإنتاج الزراعي أحد أهم الأدوار التي تؤديها الجمعيات الزراعية، وعلى رأسها الأسمدة، التي تمثل عصب العملية الزراعية من خلال آليات منظمة وجدول زمني محدد، تسهم الجمعيات في وصول هذه المدخلات إلى الفلاح في التوقيت المناسب، بما يضمن انتظام الدورة الزراعية وعدم تعطلها.
هذا الدور شكّل عامل أمان حقيقي للفلاح، وحدّ من تحكم السوق في أسعار المدخلات، وقلّل من فرص الاستغلال والاحتكار، خاصة في الفترات التي تشهد اضطرابات أو نقصًا في المعروض كما ساعد وجود الجمعية الزراعية كوسيط منظم على تحقيق قدر من الاستقرار النسبي في تكلفة الإنتاج، وهو ما انعكس بشكل مباشر على صغار المزارعين الذين يعتمدون على هامش ربح محدود لضمان استمرار نشاطهم.
ذراع تنفيذية للتنمية الزراعية والريفية
تحولت الجمعيات الزراعية تدريجيًا إلى ذراع تنفيذية أساسية للبرامج القومية المرتبطة بالزراعة والتنمية الريفية، حيث شاركت بفاعلية في:
التوسع في زراعة المحاصيل الاستراتيجية.
دعم سلاسل الإنتاج الزراعي من الزراعة حتى التسويق.
تحسين مستوى معيشة الفلاحين داخل القرى ورفع قدرتهم على الصمود الاقتصادي.
وفي هذا السياق، لعبت الجمعيات دورًا محوريًا في تسجيل الحيازات، وتوزيع المدخلات، ومتابعة التنفيذ الميداني، ونقل ملاحظات الفلاحين إلى الجهات المختصة، ما جعلها حلقة الربط الأكثر فاعلية بين السياسات العامة والواقع الزراعي.
تحديات مزمنة تكشف الحاجة إلى التطوير
رغم الأدوار المتنامية والمسؤوليات المتزايدة، تواجه الجمعيات الزراعية تحديات حقيقية لا يمكن تجاهلها، من أبرزها:
تقادم بعض الهياكل الإدارية واعتمادها على نظم عمل تقليدية لا تواكب المتغيرات الحديثة.
ضعف الإمكانات المالية مقارنة بحجم الأعباء الملقاة عليها وتنوع مهامها.
الحاجة إلى تدريب الكوادر البشرية ورفع كفاءتها لمواكبة التطورات التكنولوجية والإدارية في القطاع الزراعي.
هذه التحديات تفرض ضرورة إعادة هيكلة منظومة التعاون الزراعي بشكل شامل، بما يمنح الجمعيات مرونة أكبر، وقدرة حقيقية على التطور والاستدامة، والانتقال من دور الخادم إلى دور الشريك الكامل في التنمية.