من الحقل إلى السوق.. الجمعيات الزراعية تقود معركة الإنتاج العادل وتصنع فارق الأمن الغذائي
لم تعد الزراعة المصرية معركة تُخاض في الحقول وحدها، بل تحولت إلى معركة أكثر تعقيدًا تمتد من لحظة الزراعة وحتى وصول المنتج إلى المستهلك فإلى جانب الإنتاج، برزت تحديات التنظيم والتسويق وعدالة التوزيع باعتبارها مفاتيح حاسمة لاستقرار القطاع الزراعي، وفي قلب هذه المعادلة المعقدة، يبرز الدور المتنامي للجمعيات الزراعية باعتبارها حلقة التوازن التي تربط بين الفلاح والسوق والدولة، وتسعى إلى تصحيح اختلالات مزمنة عانى منها الريف لعقود طويلة.
الجمعيات الزراعية، التي ظلت لسنوات طويلة محصورة في أدوار خدمية تقليدية، بدأت تشق طريقها نحو التحول إلى مؤسسات اقتصادية وتنموية، قادرة على التأثير الحقيقي في حركة الإنتاج والأسواق، وحماية الفلاح من تقلبات العرض والطلب.
التسويق الزراعي… العقدة التاريخية في طريق الفلاح
يُعد تسويق المحصول الزراعي واحدًا من أكبر التحديات التي واجهت الفلاح المصري على مدار سنوات طويلة فبعد عناء موسم كامل من الزراعة والري والحصاد، يجد المزارع نفسه في مواجهة سوق غير منظم، يسيطر عليه الوسطاء، وتغيب عنه قواعد التسعير العادل.
هذا الخلل التاريخي دفع الجمعيات الزراعية إلى التدخل لكسر الحلقة الأضعف في المنظومة الزراعية، عبر مجموعة من الآليات التي بدأت تغير شكل العلاقة بين الفلاح والسوق، من أبرزها:
التجميع الزراعي الذي يسمح بتجميع المحاصيل من عدد كبير من المزارعين، بما يعزز القدرة التفاوضية ويمنح المنتج وزنًا سوقيًا أكبر.
التنسيق مع شركات التصنيع الغذائي لفتح قنوات مستقرة لتصريف المحاصيل، بدلًا من الاعتماد على أسواق عشوائية.
دعم نظم الزراعة التعاقدية التي تضمن للفلاح سعرًا عادلًا وتسويقًا مسبقًا قبل بدء الموسم.
هذه الخطوات أسهمت في تحسين عائد الفلاح، وتقليل عدد حلقات الوساطة، وتحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع الأرباح داخل السلسلة الزراعية.
الإرشاد الزراعي يعود من بوابة الجمعيات
مع تراجع دور الإرشاد الزراعي التقليدي في كثير من المناطق، وجدت الجمعيات الزراعية نفسها أمام مسؤولية سد هذه الفجوة المعرفية؛ فالفلاح اليوم لا يحتاج فقط إلى مدخلات إنتاج، بل إلى معرفة حديثة تساعده على مواجهة تحديات متسارعة، في مقدمتها التغيرات المناخية وارتفاع تكاليف الزراعة.
ومن خلال الجمعيات، عاد الإرشاد الزراعي إلى الحقول بصور جديدة، شملت:
نقل التعليمات الفنية المتعلقة بمواعيد الزراعة وأساليب الري والتسميد.
التوعية بمخاطر التغير المناخي وتأثيره على المحاصيل، وسبل التكيف مع موجات الحرارة أو البرودة.
ترشيد استخدام المبيدات للحد من التكاليف وحماية التربة والمنتج النهائي.
هذا الدور المعرفي ساعد في رفع كفاءة الإنتاج، وتقليل الفاقد، وتحسين جودة المحاصيل بما يتوافق مع متطلبات السوق.
نحو جمعيات منتجة لا مستهلكة
لم يعد الطموح مقتصرًا على أن تكون الجمعيات الزراعية وسيطًا خدميًا، بل اتجهت الرؤية نحو تحويلها إلى كيانات إنتاجية تمتلك أدوات اقتصادية حقيقية.
هذا التحول يستهدف نقل الجمعيات من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل داخل المنظومة الزراعية.
وتشمل ملامح هذا التحول امتلاك الجمعيات لـ:
مخازن حديثة تتيح تخزين المحاصيل وتقليل الفاقد.
وحدات فرز وتعبئة تضيف قيمة تسويقية للمنتج الزراعي.
مشروعات تصنيع زراعي صغير ترفع القيمة المضافة وتفتح أسواقًا جديدة.
هذه الخطوات لا تقتصر آثارها على تحسين دخل الفلاح، بل تسهم أيضًا في خلق فرص عمل داخل الريف، وتنشيط الاقتصاد المحلي، وتقليل الهجرة من القرى إلى المدن.
رؤية مستقبلية… تشريعات مرنة وتنمية مستدامة
يتفق المتابعون للشأن الزراعي على أن مستقبل النهضة الزراعية لن يكتمل دون رؤية شاملة لإصلاح منظومة التعاونيات الزراعية هذه الرؤية ترتكز على عدة محاور أساسية، من بينها:
إصلاح تشريعي شامل يمنح الجمعيات مرونة أكبر في العمل والاستثمار.
تمكين إداري ومالي يواكب اتساع الأدوار الملقاة على عاتقها.
دمج الجمعيات في منظومة التحول الرقمي الزراعي بما يضمن دقة البيانات وسرعة اتخاذ القرار.