ستارلينك المجاني لإيلون ماسك يشعل احتجاجات إيران ويهز سيادة الدولة
في خضم اضطرابات غير مسبوقة تشهدها إيران، ومع تصاعد الاحتجاجات الشعبية واتساع رقعتها في عدد من المدن، برز تطور لافت تجاوز كونه مجرد خطوة تقنية، ليحمل أبعادًا سياسية وجيوسياسية معقدة.
فقد أعلنت شركة سبيس إكس، المملوكة للملياردير الأمريكي إيلون ماسك، عن إتاحة خدمة الإنترنت الفضائي ستارلينك مجانًا داخل إيران، في وقت كانت فيه السلطات الإيرانية قد فرضت قيودًا مشددة على شبكة الإنترنت، وصلت إلى حد الانقطاع شبه الكامل لأيام متتالية.
الخطوة جاءت في توقيت بالغ الحساسية، حيث بات الإنترنت بالنسبة للمحتجين وسيلة رئيسية للتواصل، وتبادل المعلومات، ونقل ما يجري في الشوارع إلى الخارج، في مواجهة إجراءات حكومية تستهدف عزل الداخل الإيراني عن العالم.
إلغاء الاشتراك… بوابة مفتوحة خلف الجدران الرقمية
بحسب ما كشفه أحمد أحمديان، المدير التنفيذي لمنظمة "هوليستيك ريزيليانس" الأمريكية، فإن شركة سبيس إكس قررت إلغاء رسوم الاشتراك الخاصة بخدمة ستارلينك داخل إيران، ما يعني أن كل من يمتلك جهاز استقبال قادر على الاتصال بالأقمار الصناعية يمكنه الوصول إلى الإنترنت دون دفع أي مقابل مادي.
وأوضح أحمديان أن منظمته تعمل بالتعاون مع نشطاء إيرانيين في الداخل والخارج لتأمين وسائل اتصال بديلة، في ظل ما وصفه بـ"الحصار الرقمي" الذي تفرضه السلطات خلال فترات التوتر.
وأكد أن الخطوة تمثل متنفسًا حيويًا لآلاف المستخدمين الذين وجدوا أنفسهم معزولين تمامًا عن العالم الرقمي.
الإنترنت كسلاح سياسي.. ستارلينك والقوة الناعمة
ما يحدث في إيران ليس حالة معزولة، بل يعكس تحوّل الإنترنت الفضائي إلى أداة قوة ناعمة بيد واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا في العالم فخدمة ستارلينك، التي بدأت كمشروع تجاري لتوفير الإنترنت عالي السرعة للمناطق النائية، باتت لاعبًا رئيسيًا في مناطق النزاعات والاضطرابات السياسية.
ويرى مراقبون أن إتاحة الإنترنت في مثل هذه الظروف لا تنفصل عن المصالح الأمريكية، حيث تمثل الخدمة وسيلة غير مباشرة لدعم حرية التعبير، لكنها في الوقت نفسه تُتهم بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتهديد سيادتها الرقمية.
ترامب يدخل على الخط… وتشجيع علني للاحتجاجات
التطور اللافت لم يقف عند حدود قرار شركة خاصة، بل تزامن مع تصريحات مباشرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي دعا الإيرانيين صراحة إلى مواصلة احتجاجاتهم. كما أشار إلى إمكانية الاعتماد على ستارلينك لاستعادة الاتصالات داخل إيران.
وخلال حديثه للصحفيين على متن طائرة الرئاسة الأمريكية، لمّح ترامب إلى تواصله المحتمل مع إيلون ماسك قائلًا إن الأخير "بارع في هذا النوع من الأمور"، قبل أن يضيف بشكل لافت: "في الواقع، سأتصل به حالما أنتهي منكم"، في إشارة فسّرها كثيرون على أنها تنسيق غير معلن بين السياسة والتكنولوجيا.
سوابق ماسك… من أوكرانيا إلى فنزويلا
ليست هذه المرة الأولى التي يجد فيها إيلون ماسك نفسه في قلب صراعات دولية. فقد لعبت أقمار ستارلينك دورًا محوريًا في دعم الاتصالات داخل أوكرانيا، سواء للمواطنين أو للجيش، منذ بداية التدخل الروسي، ما جعل الخدمة عنصرًا استراتيجيًا في ساحة الحرب.
وفي يناير الماضي، أعلنت ستارلينك توفير خدمة الإنترنت المجانية لمواطني فنزويلا لفترة محددة، عقب تطورات سياسية مرتبطة بالرئيس نيكولاس مادورو، في خطوة اعتبرها البعض امتدادًا للضغط الأمريكي غير العسكري على الأنظمة المناوئة.
احتجاجات متصاعدة وشوارع ملتهبة
على الأرض، كانت إيران تعيش واحدة من أعنف موجات الاضطرابات خلال السنوات الأخيرة مئات الآلاف خرجوا إلى الشوارع مطالبين بإسقاط النظام، في مشهد غير مسبوق من حيث الانتشار الجغرافي وحدّة الغضب الشعبي ومع كل تصعيد، كانت السلطات تلجأ إلى سلاحها المعتاد: قطع الإنترنت أو تقنينه بشدة.
لكن دخول ستارلينك على الخط قلب المعادلة، وفتح ثغرة في الجدار الرقمي الذي حاولت السلطات بناءه حول البلاد.
التهريب والتحدي… 50 ألف جهاز داخل إيران
رغم الحظر الرسمي المفروض على أجهزة استقبال ستارلينك، كشف أحمديان أن آلاف الأجهزة نجحت في التسلل إلى داخل إيران عبر التهريب، مقدرًا عددها بأكثر من 50 ألف جهاز.
وأكد أن عملية إدخال هذه الأجهزة محفوفة بالمخاطر، لكنها مستمرة بفعل الطلب المتزايد عليها.
ويمثل هذا الرقم تحديًا حقيقيًا للسلطات الإيرانية، التي تسعى لإحكام السيطرة على الفضاء الإلكتروني، وتعتبر استخدام الإنترنت الفضائي تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.
ملاحقة وتشويش… الدولة في مواجهة الأقمار الصناعية
في المقابل، لم تقف السلطات الإيرانية مكتوفة الأيدي. فقد أكد أمير رشيدي، مدير الحقوق الرقمية في منظمة "ميان" الحقوقية، أن الجيش الإيراني يعمل على التشويش على إشارات ستارلينك، ويلاحق مستخدميها، في محاولة للحد من انتشار الخدمة.
وذكرت وكالة أنباء الإذاعة والتلفزيون الإيرانية الرسمية أن السلطات صادرت "شحنة كبيرة من المعدات الإلكترونية المستخدمة في التجسس والتخريب"، مشيرة إلى أن اللقطات المصورة أظهرت أجهزة يُعتقد أنها مستقبلات ستارلينك، في رسالة واضحة بأن الدولة تعتبر هذه التقنية جزءًا من معركة أمنية أوسع.