في ذكرى ميلاد الإمام الطيب.. من صعيد مصر إلى قيادة الضمير العالمي
تحل غدًا الثلاثاء، السادس من يناير، ذكرى ميلاد الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، الذي يبلغ عامه الثمانين، في لحظة تستدعي التوقف أمام مسيرة استثنائية لرجل لم يكن حضوره طارئًا في التاريخ الديني والفكري، بل جاء امتدادًا لبيت علم وصلاح، وترجمة حية لمنهج أزهري أصيل جمع بين الجذور العميقة والانفتاح الواعي على العالم.
وفي هذه المناسبة، لا يقتصر الحديث على محطة زمنية في العمر، بل يمتد إلى «قطوف» من حياة عالمٍ شكّلت مسيرته نموذجًا متكاملًا للعلم، والقيادة، والحكمة، والعمل الإنساني.
المولد والنسب.. جذور صوفية وامتداد حسني
وُلد الإمام الأكبر أحمد محمد أحمد الطيب الحساني في قرية القرنة التابعة لمحافظة الأقصر بصعيد مصر، في الثالث من صفر سنة 1365هـ، الموافق السادس من يناير عام 1946، داخل أسرة عُرفت بالزهد والتصوف، وكانت على الدوام بيت علم وصلاح وإصلاح.
ويعود نسب الأسرة إلى سيدنا الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وهو نسب لم يكن مصدر فخر اجتماعي بقدر ما كان حملاً أخلاقيًا ومنهجيًا انعكس في السلوك، والرؤية، وطريقة التعاطي مع الناس وقضاياهم.
النشأة الأولى.. القرآن، المتون، وساحة المصالحات
نشأ الإمام الطيب في كنف والده بقرية القرنة، حيث حفظ القرآن الكريم، وتلقى علومه الأولى على الطريقة الأزهرية الأصيلة، فقرأ المتون العلمية، وتربى على احترام العلم والعلماء.
والتحق بمعهد إسنا الديني، ثم بمعهد قنا الديني، قبل أن يشق طريقه إلى القاهرة، ملتحقًا بكلية أصول الدين، قسم العقيدة والفلسفة، حيث تخرج فيها عام 1969 بتفوق لافت.
وفي تلك المرحلة المبكرة، لم تكن التربية علمية فقط، بل إنسانية واجتماعية أيضًا؛ إذ شهد الإمام الطيب في صغره مجالس المصالحات والمحاكم العرفية التي كان يقودها جده الشيخ أحمد الطيب، ووالده الشيخ محمد الطيب في «ساحة آل الطيب»، تلك الساحة التي مثّلت نموذجًا حيًا للعدل الاجتماعي وفض النزاعات بالحكمة.
وعندما بلغ الخامسة والعشرين من عمره، أصبح مشاركًا فعليًا في هذه المجالس، محققًا ومصلحًا مع والده وأشقائه، ولا يزال حتى اليوم يؤدي هذا الدور إلى جوار شقيقه الأكبر الشيخ محمد، في امتداد طبيعي لرسالة إصلاح ذات البين
التكوين الأزهري.. علماء كبار وتربية روحية عميقة
تلقى الإمام الأكبر علومه في الأزهر الشريف على أيدي كبار علمائه في مختلف المراحل، وحرص منذ نعومة أظفاره على حضور مجالس العلماء والصالحين، فتعلم أصول التربية والسلوك والحكمة في الطريق إلى الله، جنبًا إلى جنب مع الدراسة النظامية.
هذا التكوين المزدوج، العلمي والروحي، أسهم في صياغة شخصية متوازنة، لا تفصل بين العلم والعمل، ولا بين الفقه والواقع، ولا بين العقيدة والسلوك.
التدرج الأكاديمي.. تفوق مبكر ومسار علمي رصين
حصل الإمام الطيب على الإجازة العالية «الليسانس» في العقيدة والفلسفة من جامعة الأزهر الشريف بتقدير عام «جيد جدًا» مع مرتبة الشرف، وكان ترتيبه الأول على قسم العقيدة والفلسفة عام 1969.
وبعد أقل من شهرين من تخرجه، عُيّن معيدًا بقسم العقيدة والفلسفة في 2 سبتمبر 1969، في دلالة واضحة على نبوغه العلمي المبكر.
وفي عام 1971 حصل على درجة التخصص «الماجستير»، وعُيّن مدرسًا مساعدًا، ثم نال درجة العالمية «الدكتوراه» عام 1977، ليُعيّن مدرسًا بالقسم نفسه.
وتدرج في السلم الأكاديمي، فحصل على درجة أستاذ مساعد عام 1982، ثم نال الأستاذية في السادس من يناير 1988، وهو التاريخ نفسه الذي يوافق ميلاده، في مفارقة رمزية تعكس مسيرة علمية متكاملة
مناهج متعددة.. الأزهر والانفتاح على الثقافة الغربية
جمع الإمام الأكبر بين تعاليم المنهج الأزهري الراسخ والانفتاح الواعي على الثقافة الأوروبية الحديثة.
فبعد تخرجه في كلية أصول الدين، التحق بالمركز الثقافي الفرنسي بالقاهرة، حيث درس اللغة الفرنسية لما يقرب من خمس سنوات، إلى جانب إتقانه اللغة الإنجليزية التي درسها في المرحلة الثانوية الأزهرية وفي الكلية.
ولم يقتصر هذا الانفتاح على الدراسة، بل تُوّج بترجمة عدد من المراجع الفلسفية والفكرية من الفرنسية إلى العربية، في إطار مشروع علمي يسعى إلى التواصل لا الذوبان، والحوار لا التبعية.
المناصب والمسؤوليات.. حضور علمي ومجتمعي فاعل
خلال مسيرته العلمية والتعليمية، شغل الإمام الأكبر عضوية عدد كبير من الهيئات والمؤسسات، من أبرزها:
عضوية المجلس الأعلى لمواجهة الإرهاب والتطرف منذ 23 أبريل 2018 وحتى الآن.
عضوية المجلس الأعلى للشئون الإسلامية.
عضوية الجمعية الفلسفية المصرية.
رئاسة اللجنة الدينية باتحاد الإذاعة والتليفزيون.
عضوية مجمع البحوث الإسلامية وأكاديمية مؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي.
مقرر لجنة مراجعة وإعداد معايير التربية بوزارة التربية والتعليم.
وهي مناصب عكست ثقة المؤسسات في علمه، وقدرته على الجمع بين الفكر النظري والتطبيق العملي.
الحضور الدولي.. الأزهر في قلب الحوار العالمي
تزخر المسيرة العلمية للإمام الطيب بالمشاركة في عشرات المؤتمرات والندوات والملتقيات العلمية داخل مصر وخارجها، حيث مثّل الأزهر صوت الاعتدال والحكمة في محافل دولية كبرى، من بينها:
الملتقى الدولي التاسع عشر من أجل السلام بفرنسا.
المؤتمر الإسلامي الدولي حول حقيقة الإسلام ودوره في المجتمع المعاصر بالأردن.
مؤتمر القمة للاحترام المتبادل بين الأديان في نيويورك وجامعة هارفارد.
مؤتمر الأديان والثقافات لشجاعة الإنسانية الحديثة في إيطاليا.
مؤتمر الثقافة والأديان في منطقة البحر المتوسط بروما.
المؤتمر العالمي لعلماء المسلمين في إندونيسيا تحت شعار «رفع راية الإسلام رحمة للعالمين».
مؤتمر ابن عربي الدولي بمراكش.
ندوة التصوف في مصر بمعهد العالم العربي بباريس.
مؤتمرات حوار الأديان في ليون وميلانو.
محطات فكرية مؤثرة.. ندوات صنعت الوعي
شارك الإمام الطيب في عدد كبير من الندوات الفكرية التي تناولت قضايا دقيقة في الفكر الإسلامي، من بينها:
المؤتمر الدولي الأول للفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم بالقاهرة عام 1996.
ندوة كلية أصول الدين حول قضية تحريف القرآن المنسوبة للشيعة الإمامية عام 1997.
المؤتمر العالمي للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة عام 2001.