أحمد كريمة يحذّر: الأحكام الشرعية من الذكاء الاصطناعي جريمة تهدد الدين والمجتمع
في زمنٍ باتت فيه الخوارزميات قادرة على الإجابة عن كل شيء، من وصفات الطعام إلى تشخيص الأمراض، يبرز سؤال بالغ الخطورة في المجال الديني: هل يجوز أن تتحول الفتوى الشرعية إلى منتج يقدمه الذكاء الاصطناعي بضغطة زر؟.
هذا السؤال، الذي يتداوله ملايين المستخدمين يوميًا عبر محركات البحث وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، فجّر جدلًا واسعًا في الأوساط الدينية والفكرية، خاصة مع اعتماد شريحة متزايدة من الناس على أدوات رقمية للحصول على «أحكام شرعية» في قضايا مصيرية تمس العقيدة والعبادات والمعاملات.
في هذا السياق، خرج الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر الشريف، بموقف حاسم وصادم: «الحصول على الأحكام الشرعية من الذكاء الاصطناعي جريمة».
سؤال مباشر وإجابة قاطعة
خلال حواره في برنامج «علامة استفهام»، الذي يقدمه الإعلامي مصعب العباسي، وُجّه للدكتور أحمد كريمة سؤال صريح:
هل يجوز للمسلم أن يحصل على الفتوى من الذكاء الاصطناعي، في ظل لجوء عدد كبير من الناس إلى تطبيقات AI لمعرفة الأحكام الشرعية؟
الإجابة جاءت حاسمة بلا مواربة، لتغلق باب الاجتهاد غير المنضبط في هذه المسألة:
الفتوى ليست معلومة تقنية، ولا معادلة حسابية، ولا نصًا يُقتطع من سياقه، بل هي حكم شرعي مركب يقوم على فهم النص، ومعرفة الواقع، ومراعاة المقاصد، وهو ما لا يتوافر بحسب كريمة في أي منظومة رقمية مهما بلغت دقتها.
فوضى الفتاوى.. أزمة تتفاقم
يرى أستاذ الفقه المقارن أن المجتمع يعيش بالفعل حالة من الفوضى الفقهية، نتيجة تعدد المنابر غير المنضبطة، وانتشار من يتصدرون للفتوى دون علم أو تأهيل.
ويؤكد أن المشكلة لا تكمن فقط في الذكاء الاصطناعي، بل في البيئة الفوضوية التي تسمح لأي شخص أو أي برنامج بأن يفتي في شؤون الدين دون رقابة أو محاسبة.
«كثرة الفتاوى غير المنضبطة أحدثت ارتباكًا شديدًا في وعي الناس، وأصبح الحلال والحرام يُتناقلان بلا علم، وهذا خطر حقيقي على استقرار المجتمع».
الفتوى مسؤولية.. لا اجتهاد آلي
يشدد كريمة على أن الفتوى ليست مجرد نقل لنص أو إجابة جاهزة، بل هي مسؤولية شرعية كبرى، لا يجوز أن يتصدى لها إلا من توافرت فيه أدوات العلم الشرعي، من إلمام بالقرآن والسنة، وأصول الفقه، وقواعد الاستنباط، وفقه الواقع.
ومن هنا، يرى أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في إصدار أو تلقّي الأحكام الشرعية يفتح الباب أمام:
اجتزاء النصوص دون فهم سياقها
إسقاط الأحكام على غير محلها
خلط المذاهب والآراء دون ضوابط
ترويج فتاوى متناقضة في المسألة الواحدة
وهو ما يؤدي في النهاية إلى تشويه الدين بدل خدمته.
دعوة للتجريم والعقاب
في تصعيد لافت، دعا الدكتور أحمد كريمة إلى تجريم استخدام الذكاء الاصطناعي في إصدار الفتاوى والأحكام الشرعية، مؤكدًا أن الأمر لا ينبغي أن يُترك لاجتهاد الأفراد أو مزاج الشركات التكنولوجية.
ويرى أن الدولة، ممثلة في مؤسساتها المعنية، مطالبة بالتدخل الحاسم لحماية المجال الديني من العبث الرقمي، تمامًا كما تحمي الصحة العامة أو الأمن القومي.
دور وزارة الاتصالات: هل المنع ممكن؟
بحسب كريمة، فإن وزارة الاتصالات تمتلك من الأدوات التقنية ما يمكّنها من:
تقييد أو حظر التطبيقات التي تقدم فتاوى دينية
مراقبة المحتوى الديني الرقمي غير المرخص
وضع أطر تنظيمية صارمة لأي استخدام تقني في المجال الديني
ويؤكد أن المسألة ليست تقنية بحتة، بل قرار سيادي وثقافي لحماية الهوية الدينية من التشويه.
فتاوى من جماعات متصارعة
في جانب آخر من حديثه، كشف أستاذ الفقه المقارن عن بُعدٍ أخطر في أزمة الفتوى الرقمية، يتمثل في توظيف الدين سياسيًا ومذهبيًا عبر قنوات ومنصات إلكترونية.
وأشار إلى أن:
فتاوى تخرج من جماعة الإخوان
وأخرى من التيار السلفي
وأخرى من الاتجاه الشيعي
كلٌّ يبث رؤيته وأحكامه، ما يخلق حالة من الاستقطاب الحاد والارتباك العقدي داخل المجتمع الواحد.
«هذه القنوات لا تقدم علمًا، بل تبث سمومًا فكرية، وتستغل الدين لإشعال الأزمات».
بين التقنية والدين.. معركة الوعي
تحذيرات الدكتور أحمد كريمة لا تنطلق من عداء للتكنولوجيا، بقدر ما تنبع من إدراك عميق بخطورة تسييل الدين وتحويله إلى محتوى رقمي بلا ضوابط.
فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ تطوره، يظل أداة بلا ضمير، بلا وعي، وبلا إدراك لمقاصد الشريعة أو تعقيدات الواقع الإنساني، بينما الفتوى تحتاج إلى عقل فقيه، وقلب واعٍ، ومسؤولية أخلاقية.