رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

الإدمان الرقمي يهدد الشباب.. منتدى طابة يدق ناقوس الخطر

صورة من اللقاء
صورة من اللقاء

في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي أعادت تشكيل أنماط الحياة والتواصل والتعلم والعمل، لم تعد المخاطر المرتبطة بالتكنولوجيا تقتصر على التحديات التقنية أو الأمنية، بل امتدت لتلامس بعمق البنية النفسية والاجتماعية للأجيال الجديدة وفي محاولة لفهم الظاهرة ومناقشة تداعياتها، نظّمت مؤسسة طابة للأبحاث والاستشارات، النسخة الثامنة والعشرين من «منتدى طابة للشباب»، تحت عنوان «الإدمان الرقمي بين الشباب»، وذلك بمقر المؤسسة.

المنتدى، الذي شارك فيه باحثون وخبراء ومهتمون بقضايا الشباب، فتح ملفات حسّاسة تمتد من ماهية الإدمان الرقمي وأسبابه، إلى تأثيراته الصحية والنفسية والاجتماعية والسياسية، وصولًا إلى وضع رؤى وتوصيات قد تساعد في الحد من خطورته، وترشيد استخدام التكنولوجيا بين الفئات الأصغر سنًا.

ماهية الإدمان الرقمي وتعريفاته.. انتقال الإدمان من الواقع إلى العالم الافتراضي

استهلّ المشاركون الجلسة بطرح سؤال جوهري: ماذا يعني أن يكون الفرد «مدمنًا رقميًا»؟ وأوضح الخبراء أن استخدام لفظ «الإدمان» هنا ليس تجوزيًا ولا مبالغة، بل توصيف لحالة باتت ملموسة، وتشير إلى نمط ارتباط قهري بالعالم الافتراضي يمنع صاحبه من الانفصال عنه حتى لوقت قصير.
وأشار المتحدثون إلى أن الإدمان الرقمي يحمل سمات مشابهة للإدمان التقليدي، لكنه يختلف عنه في الطبيعة والوسائل؛ إذ ينقل السلوك الإدماني من الحياة الواقعية  التي ترتبط غالبًا بعوامل اجتماعية وصحية واقتصادية  إلى بيئة افتراضية مفتوحة بلا حدود، وبلا قيود زمنية أو مكانية.

وجرى التأكيد على أن العالم الافتراضي لم يعد مجرد مساحة للتسلية أو التواصل، بل تحول إلى «عالم موازٍ» يجد فيه الفرد فرصًا للانفتاح والخيال وصناعة الذات، في مقابل عالم واقعي بات لدى كثيرين مصدرًا للضغوط والانغلاق. هذا التناقض، بحسب الخبراء، يُسهم في تعزيز السلوك الإدماني، ويجعل الانسحاب من الفضاء الرقمي أكثر صعوبة.

أسباب انتشار الظاهرة بين الأطفال والمراهقين والشباب

ناقشت الجلسة مجموعة واسعة من الأسباب التي تغذي انتشار الإدمان الرقمي في الفئات الأصغر سنًا. ومن أبرز هذه الأسباب:

1. الجاذبية النفسية للتطبيقات الرقمية

تطبيقات التواصل والألعاب مصممة بطريقة تُحفّز الدماغ على طلب المزيد من التفاعل عبر آليات المكافأة الفورية، ما يجعل الشباب أكثر عرضة للانغماس المتكرر.

2. الهروب من ضغوط الواقع

الخبراء شددوا على أن «الهروب» هو المحرك المركزي في معظم أنواع الإدمان، موضحين أن العالم الواقعي كثيرًا ما يحمل تحديات اقتصادية ونفسية واجتماعية تدفع الشباب للبحث عن ملاذ رقمي بديل.

3. غياب الرقابة الكافية

التطور التكنولوجي المتسارع جعل من الصعب على الأسر والمؤسسات التعليمية مواكبة حجم التعرض اليومي للمنصات الرقمية لدى الأطفال والمراهقين.

4. تطبيع الظاهرة اجتماعيًا

خلافًا للإدمان التقليدي الذي تحيط به وصمة اجتماعية تدفع صاحبه للاختباء، فإن الإدمان الرقمي يُمارَس علنًا، بل قد يُنظر إليه باعتباره سلوكًا طبيعيًا أو مقبولًا، وهو ما يقلل من وعي الناس بخطورته.

5. سهولة الوصول وانخفاض التكلفة

أحد أهم الفوارق الجوهرية بين الإدمان الرقمي وغيره من أشكال الإدمان هو سهولة الوصول إليه بلا قيود أو تكاليف، ما يجعله أكثر انتشارًا وعمقًا.

المفارقة الكبرى: صناع التكنولوجيا لا يستخدمونها بالطريقة نفسها

في نقطة لافتة أثارت اهتمام الحضور، أشار المشاركون إلى أن كثيرًا من صناع التكنولوجيا ومهندسي البرمجيات  الذين يقفون خلف تصميم التطبيقات والمنصات  لا يستخدمون هذه الأدوات بالكثافة نفسها التي يستخدمها الجمهور.
وأرجعوا ذلك إلى إدراكهم للآليات النفسية التي تقوم عليها هذه التطبيقات، ووعيهم بالمخاطر المحتملة، ما يجعلهم أكثر حرصًا في التعامل معها من المستخدمين العاديين، وخاصة الشباب.

الأثر النفسي والاجتماعي والصحي للإدمان الرقمي

ركزت المناقشات على الآثار الممتدة لهذا النوع من الإدمان، سواء على المدى القريب أو البعيد، ومن بينها:

العزلة الاجتماعية وتراجع التفاعل الإنساني الحقيقي.

ضعف القدرة على التركيز وتشتت الانتباه.

التأثير على النوم بسبب الاستخدام الليلي المكثف للشاشات.

التأثير على الصحة البدنية نتيجة الجلوس الطويل.

اضطراب الهوية وعدم الاستقرار النفسي لدى المراهقين.

الفضاء الرقمي والمشاركة السياسية: وعي تحت ضغط المنصات

في محور آخر، ناقش المنتدى انعكاسات الاستخدام الرقمي على المشاركة السياسية لدى الشباب، وهو جانب غالبًا ما يغيب عن النقاش العام.
وتطرقت الجلسة إلى عدد من القضايا، من بينها:

1. توظيف الشباب سياسيًا بصورة نفعية

أكّد المشاركون أن بعض القوى السياسية تستغل وجود الشباب على المنصات الرقمية لاستقطابهم بصورة سطحية لا ترتبط بتمكين حقيقي.

2. ظاهرة التوريث السياسي و«زبانية السياسة»

جرى التنبيه إلى تصاعد طبقة شبابية مرتبطة بالعمل السياسي عبر الولاءات لا الكفاءات، ما يخلق حالة من الإحباط لدى الشباب المستقلين.

3. الفجوة بين خطاب الأحزاب والواقع المعيشي

أشار بعض الحضور إلى مفارقة بين مظاهر الرفاهية التي تعكسها المقرات الحزبية، وبين الظروف الاقتصادية القاسية التي يعيشها الشباب المتطوعون في العمل العام.

4. أثر ذلك على الوعي السياسي

بيّن المتحدثون أن الإدمان الرقمي يسهم أيضًا في خلق «وعي سريع» قائم على المعلومة المختصرة والشائعة المتداولة، لا على المعرفة العميقة، ما يؤثر على قدرة الشباب على اتخاذ مواقف سياسية واعية.

تم نسخ الرابط