رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس التحرير
نصر نعيم

التبرع بالأعضاء بعد الموت صدقة جارية أم انتهاك لحرمة الميت؟.. الإفتاء تحسم الجدل

تعبيرية
تعبيرية

مع تطور العلوم الطبية واتساع نطاق زراعة الأعضاء، برزت قضية التبرع بالأعضاء بعد الوفاة كأحد أهم الموضوعات التي تجمع بين البعد الشرعي والتحديات الطبية والأبعاد الإنسانية ففي الوقت الذي يصفها الأطباء بـ"المعجزة الإنسانية" التي تنقذ حياة الآلاف، يقف الفقهاء أمام سؤال دقيق: هل يجوز المساس بجسد الميت من أجل منح الآخرين حياة جديدة؟

بين قدسية الجسد في الإسلام ونداء الرحمة لإنقاذ المرضى، يظل المسلم المعاصر في مواجهة معضلة فقهية وأخلاقية، تحاول المؤسسات الدينية والطبية إيجاد مخرج متوازن لها.

الإطار الشرعي.. بين حرمة الجسد وواجب إحياء النفس

ينطلق النقاش الفقهي من قاعدتين شرعيتين تبدوان متعارضتين:

1. حرمة جسد الميت: فقد جاء في الحديث النبوي: "كسر عظم الميت ككسره حيًا"، بما يعني أن جسد الإنسان يظل مصونًا حتى بعد وفاته، لا يجوز امتهانه أو العبث به.

2. إحياء النفس البشرية: يقول الله تعالى: "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا" (المائدة: 32)، وهو نص قرآني يؤكد عظم قيمة إنقاذ حياة إنسان.

وبين هذين المبدأين، يحاول الفقهاء صياغة رؤية وسطية، فلا إفراط في انتهاك حرمة الميت، ولا تفريط في ترك المرضى يموتون وهم في أمس الحاجة إلى عضو قد يعيد إليهم الحياة.

اجتهادات الفقهاء.. تأييد، معارضة، وحلول وسط

تعددت المواقف الفقهية المعاصرة حول التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، وجاءت على النحو التالي:

الرأي المؤيد: أقر عدد من العلماء الجواز بشروط، أهمها موافقة المتوفى قبل وفاته أو إذن ورثته بعد موته، والتأكد من عدم وجود أي شكل من أشكال الاتجار بالأعضاء واستندوا إلى قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات" ومقاصد الشريعة في حفظ النفس.

الرأي المعارض: رفض آخرون هذه الفكرة باعتبارها اعتداءً على حرمة الميت، مؤكدين أن الإنسان لا يملك جسده بعد وفاته، فهو أمانة عند خالقه، ولا يحق لأحد التصرف فيه.

الرأي الوسطي: تبنته بعض المجامع الفقهية مثل مجمع الفقه الإسلامي الدولي، حيث أجازوا التبرع بالأعضاء بشروط صارمة، منها: التأكد من موت المتبرع موتًا محققًا لا شبهة فيه، وأن يكون الهدف إنقاذ حياة إنسان، وألا يكون هناك مقابل مادي.

وفي السياق ذاته، أكدت دار الإفتاء المصرية أن التبرع بالأعضاء جائز إذا انطلق من نية الإيثار والصدقة الجارية، معتبرة أنه من أعظم أبواب الثواب بعد الموت.

الطب يتحدث: إنجاز علمي يمنح الحياة

على الصعيد الطبي، يمثل التبرع بالأعضاء بعد الوفاة أحد أعظم إنجازات الطب الحديث:

قوائم الانتظار: ملايين المرضى حول العالم يقفون على قوائم انتظار زراعة الأعضاء وفي العالم العربي تحديدًا، يظل مئات الآلاف في انتظار أمل قد يطول سنوات بسبب قلة المتبرعين.

نسب النجاح: بفضل التقدم الطبي، وصلت نسب نجاح زراعة الكلى مثلًا إلى أكثر من 90%، ما يعكس فاعلية هذه العمليات ودورها في إنقاذ الأرواح.

أثر إنساني متضاعف: الأطباء يشيرون إلى أن جسدًا واحدًا بعد وفاته يمكن أن ينقذ حياة أكثر من خمسة أشخاص، عبر التبرع بالقلب والكبد والكليتين والقرنيتين.

شروط وضوابط

لتجنب الفوضى أو الاستغلال، وضعت المؤسسات الدينية والطبية ضوابط للتبرع بالأعضاء، أبرزها:

1. تحقق الموت المحقق: لا يجوز نزع الأعضاء إلا بعد موت الإنسان موتًا حقيقيًا لا رجعة فيه، مع حسم الجدل حول مفهوم "الموت الدماغي".

2. الموافقة المسبقة أو إذن الورثة: لضمان احترام إرادة المتوفى وحقوق أهله.

3. منع البيع والمتاجرة: التبرع يجب أن يكون خالصًا لله، لا سلعة للبيع أو وسيلة للكسب.

4. التوثيق القانوني: لإغلاق الباب أمام أي تجاوزات أو ممارسات غير شرعية.

رغم تعدد الفتاوى التي أجازت التبرع، يظل الجدل قائمًا، خصوصًا مع بروز قضايا مثل الموت الدماغي، الذي يعتبره الأطباء موتًا حقيقيًا، بينما يتحفظ بعض الفقهاء على اعتباره نهاية للحياة.

السؤال المطروح هنا: كيف يمكن للفقه الإسلامي أن يواكب تطور العلوم الطبية دون أن يتعارض مع النصوص الشرعية القطعية؟

يرى كثير من العلماء أن التبرع بالأعضاء بعد الوفاة يدخل في باب الصدقة الجارية، لأنه يمدد أثر الإنسان بعد موته، ويحقق قوله تعالى: "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا".

كما يعكس التبرع معنى الإيثار والتضحية، إذ يمنح الميت جزءًا من جسده ليكون حياة لغيره، فيتضاعف الأجر وتستمر الرحمة.

تم نسخ الرابط