رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس التحرير
نصر نعيم

الحجاج بن يوسف الثقفي.. جدل هدم المآذن بين التاريخ والفقه الإسلامي

أرشيفية
أرشيفية

يبقى الحجاج بن يوسف الثقفي واحدًا من أكثر الشخصيات الإسلامية إثارة للجدل في التاريخ الأموي فقد ارتبط اسمه بالقوة المفرطة والبطش السياسي، كما ارتبط في المقابل بإنجازات عمرانية وإدارية كبرى، مثل بناء مدينة واسط في العراق وتطوير جهاز البريد، فضلًا عن دوره في تثبيت أركان الدولة الأموية؛ إلا أن أكثر ما يثير النقاش بين المؤرخين والفقهاء هو موقفه من المساجد ومآذنها، وخاصة ما نُقل عنه من هدم بعض المآذن أو منع ارتفاعها، الأمر الذي أثار تساؤلات عميقة حول دوافعه: هل كان ذلك سياسة شرعية لحماية الدين من المبالغات المعمارية، أم أنه قرار سياسي لإحكام قبضته على المجتمع؟

المئذنة في العمارة الإسلامية.. الرمز والدلالة الشرعية

قبل الخوض في تفاصيل ما نُسب إلى الحجاج، لا بد من الوقوف عند أصل المئذنة في الإسلام المئذنة لم تكن جزءًا من المسجد في زمن النبي ﷺ، بل كان بلال رضي الله عنه يؤذن للصلاة من سطح المسجد النبوي أو من مكان مرتفع. 

ومع مرور الزمن، بدأ المسلمون في العصر الأموي ببناء المآذن بشكل واضح، خاصة في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك.
المئذنة إذن ليست شرطًا لصحة الصلاة، ولا من أركان المسجد، لكنها صارت رمزًا من رموز الإسلام، تُرفع منها كلمة التوحيد ويُعلن منها الأذان قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: 114]، والمئذنة داخلة في هذا المعنى لكونها وسيلة لذكر الله وإقامة الشعائر.

الروايات التاريخية عن موقف الحجاج من المآذن

ينقل بعض المؤرخين أن الحجاج بن يوسف أمر في ولايته على العراق بهدم عدد من المآذن المرتفعة التي بُنيت في الكوفة والبصرة ويذكر أن السبب المعلن كان خشية أن تتحول المآذن إلى أماكن لمراقبة تحركات الدولة أو التحصن فيها أثناء الفتن.

كما جاء في بعض الأخبار أن الحجاج رأى في ارتفاع المآذن مبالغة قد تصرف الناس عن مقصد المسجد الأصلي، أي العبادة والخشوع، نحو التفاخر بالزخرفة. وفي المقابل، هناك مؤرخون آخرون يرون أن الحجاج لم يكن يعارض بناء المآذن بإطلاق، وإنما كان يتدخل إذا رأى فيها خطرًا أمنيًا أو مبالغة معمارية قد تثير العامة

البعد السياسي لقرارات الحجاج

لا يمكن قراءة قرارات الحجاج بمعزل عن طبيعة حكمه؛ فقد كان واليًا قويًا على العراق، وهو إقليم عُرف بكثرة الفتن والثورات ضد الحكم الأموي ومن ثم، فإن أي بناء مرتفع كان يُخشى أن يستخدمه المعارضون كأداة للمراقبة أو كمكان للتحصن، ومن هنا جاء تفسير بعض الباحثين أن هدم المآذن لم يكن موقفًا فقهيًا، بقدر ما كان إجراءً أمنيًا.

إلا أن خصوم الحجاج بالغوا في تصوير أفعاله، فحوّلوها إلى صورة لعداء مع شعائر الدين، بينما الواقع أنه كان شديد المحافظة على الصلاة والقرآن، إذ يُنقل عنه أنه كان يحث الناس على الجماعة ويُكثر من الاستشهاد بالآيات القرآنية في خطاباته.

هل يجوز هدم المآذن؟

من الناحية الشرعية، لا يوجد نص في القرآن أو السنة يأمر ببناء المئذنة أو يمنعها لكنها صارت سنة حسنة جرى عليها عمل المسلمين عبر القرون وقد قال النبي ﷺ: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها» [رواه مسلم].

أما مسألة هدم المئذنة، فهي محرمة إذا كان الغرض منها تعطيل الأذان أو إهانة شعائر الإسلام، لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾، أما إذا كان الهدم لسبب عمراني أو أمني مشروع، مثل ضعف الأساسات أو خوف الانهيار أو تحصن الأعداء فيها، فإن الأمر يختلف، ويُقاس على قاعدة: «الضرورات تبيح المحظورات».

شهادات العلماء والمؤرخين

الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء أشار إلى أن الحجاج كان ظالمًا في سياساته، لكنه لم يذكر عنه عداءً مباشرًا للشعائر الدينية.

ابن كثير في البداية والنهاية ذكر أن الحجاج بنى مدينة واسط ومسجدها الكبير، وهو مسجد ذو مئذنة، ما ينفي فكرة معاداته المطلقة للمآذن.

ابن تيمية فرّق في فتواه بين من يهدم مسجدًا أو مئذنة بقصد محاربة الدين، وبين من يفعل ذلك لمصلحة راجحة، مؤكدًا أن الحكم يختلف باختلاف النية والمقصد.

الموازنة بين الدوافع الشرعية والسياسية

يظهر من دراسة الروايات أن الحجاج لم يكن ضد المآذن لذاتها، بل كان يتخذ قرارات مرتبطة بظروف سياسية وأمنية، ولو كان يكره المآذن من حيث المبدأ، لما أقر بناء مسجد واسط بمئذنته الشهيرة. 

إلا أن بطشه السياسي جعل أي قرار يصدر عنه يُفهم في إطار القسوة والظلم، حتى وإن كان في ظاهره ذا مبرر أمني أو عمراني.

ويبقى موضوع هدم الحجاج للمآذن مثالًا على تداخل الدين بالسياسة في التاريخ الإسلامي؛ فرغم أن النصوص الشرعية تؤكد حرمة تعطيل الأذان أو الانتقاص من المساجد، إلا أن قراءة الروايات تكشف أن الحجاج لم يكن يعادي المئذنة من حيث المبدأ، بل تعامل معها ضمن معادلة أمنية وسياسية وبين مبالغة خصومه في اتهامه، ومحاولات مؤيديه تبريره، تظل الحقيقة أن المئذنة بقيت صامدة عبر العصور رمزًا للإسلام، بينما رحل الحجاج بكل جدله وبقيت المساجد شاهدة على أن كلمة التوحيد أعلى من كل سلطة.

تم نسخ الرابط