رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

دماء على قميص مدرسي.. حكاية طالب إعدادي قاوم العدوان الثلاثي واغتاله رصاص الاحتلال ببورسعيد

الفدائي الصغير
الفدائي الصغير

لم يكن يحمل رتبة عسكرية، ولم يكن جنديًا في جيش نظامي، ولم يتجاوز بعد سنوات دراسته الإعدادية، لكنه امتلك من الشجاعة وحب الوطن ما جعله يقف في مواجهة قوات الاحتلال بكبرياء، رافعًا صوته بالحرية والاستقلال حتى لقى ربه شهيدًا.

إنه الشهيد البورسعيدي حسن سليمان حمودة، المعروف في ذاكرة المدينة الباسلة بحكاية "الفدائي الصغير"، أحد أبرز أبناء بورسعيد الذين سطروا بدمائهم الزكية صفحات خالدة من تاريخ المقاومة الشعبية ضد العدوان الثلاثي عام 1956.

من مقاعد الدراسة إلى صفوف المقاومة

نشأ حسن سليمان حمودة طالبًا في مدرسة القناة الإعدادية بنين ببورسعيد، وعُرف بين زملائه بحماسه الوطني الجارف ورفضه التام للاحتلال. 

ومع اندلاع المعارك، انخرط الصغير في العمل الوطني عبر توزيع المنشورات التي تحث الأهالي على المقاومة، حيث كان يستمد تلك المنشورات من شقيقه الأكبر ليقوم بنشرها بين زملائه وجيرانه في وقت كانت تعيش فيه المدينة أصعب مراحل تاريخها.

وفي صباح 5 نوفمبر 1956، ومع بدء الإنزال الجوي لقوات العدوان في منطقة "الجميل"، رفض حسن البقاء متفرجًا. 

ورغم رفض شقيقيه "أحمد وسعد" اصطحابه معهما لصغر سنه، غافل الفتى والديه وجمع عددًا من أقرانه، وتوجهوا صوب محطة السكة الحديد حيث مراكز توزيع السلاح، وانطلقوا للمشاركة في التصدي لقوات المظلات المعتدية.

 ولم يتوقف نشاطه بعد صدور قرار وقف إطلاق النار، بل واصل دعم الفدائيين بنقل الذخيرة والعتاد وتوزيع المنشورات المناهضة للاحتلال.

21 نوفمبر.. المظاهرة التي تحولت إلى ملحمة

شهدت المدينة تحولاً مثيرًا يوم 21 نوفمبر 1956؛ فمع وصول قوات الطوارئ الدولية لتنفيذ ترتيبات الانسحاب، انتفض أهالي بورسعيد في مظاهرات عارمة رافضة لاستمرار وجود أي جندي للمعتدين على أرضهم.

وفي مقدمة تلك المسيرات، كان الفتى حسن حمودة محمولاً على أعناق صديقه رمضان السيد، يهتف لحرية مصر ويحمل عالياً صورة الزعيم جمال عبد الناصر، وعند وصول المظاهرة الحاشدة إلى شارع "محمد علي"، اعترضت طريقهم دورية عسكرية تابعة لقوات الاحتلال الفرنسي، وطالب الضابط القائد بإنهاء المظاهرة وإسكات الفتى.

أبى حسن التراجع، وازداد إصرارًا على الهتاف، ليقوم أحد الجنود بغمد سنكي بندقيته في رقبة صديقه حاملِهِ، بينما استل الضابط الفرنسي مسدسه وأطلق رصاصة غادرة اخترقت قلب "الفدائي الصغير"، ليسقط شهيدًا وهو يردد اسم مصر، وحاول زملاؤه نقله إلى كنيسة شارع محمد علي القريبة لإسعافه، إلا أنه فارق الحياة متأثرًا بإصابته النبيلة.

قميص ملطخ بالدماء.. رمز يلهب المقاومة

لم تنهِ الرصاصة الفرنسية الحكاية، بل فجرت بركانًا من الغضب الشعبي؛ حيث خرج الآلاف من أبناء بورسعيد في جنازة صامتة مهيبة تحولت إلى تظاهرة تحدٍّ للاحتلال، ورفع الأهالي القميص المدرسي الأبيض الخاص بالشهيد، وهو ملطخ بدمائه الزكية، ليكون راية ورمزًا للمقاومة والتضحية تداولته الأيدي عبر شوارع المدينة.

وتسببت هذه الواقعة في تصاعد حدة المقاومة الشعبية وتضييق الخناق على قوى العدوان، مما دفع سلطات الاحتلال إلى تشديد الإجراءات الأمنية وحظر التجمعات، بعد أن أثبتت دماء طالب المدرسة الإعدادية للعالم أجمع أن البطولة لا تُقاس بالعمر، بل بالانتماء والوفاء للأوطان.

تم نسخ الرابط